وكان يقول أيضًا: (أهينوا الدنيا فو الله لأهنأ ما تكون إذا أهنتها) [1] . وكان الحسن يحلف بالله ما أعز أحدٌ الدرهمَ إلا أذله الله) [2] .
ولابن القيم ـ رحمه الله ـ كلام نفيس في الترغيب بالزهد في الدنيا، والإقبال على الآخرة، نورد منه ما يلي:
(لا تتم الرغبة في الآخرة إلا بالزهد في الدنيا، ولا يستقيم الزهد في الدنيا إلا بعد نظرين صحيحين:
نظر في الدنيا وسرعة زوالها وفنائها واضمحلالها ونقصها وخستها، وألم المزاحمة عليها والحرص عليها، وما في ذلك من الغصص والنغص والأنكاد، وآخر ذلك الزوال والانقطاع مع ما يعقب من الحسرة والأسف؛ فطالبها لا ينفك من همّ قبل حصولها، وهمّ في حال الظفر بها، وغم وحزن بعد فواتها؛ فهذا أحد النظرين.
النظر الثاني: النظر في الآخرة وإقبالها ومجيئها ولا بد، ودوامها وبقائها وشرف ما فيها من الخيرات والمسرات، والتفاوت الذي بينه وبين ما ههنا؛ فهي كما قال الله ـ سبحانه ـ: (( وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ) ) [الأعلى: 17] فهي خيرات كاملة دائمة، وهذه خيالات ناقصة منقطعة مضمحلة).
ـ إلى أن قال ـ: (وقد توعّد الله ـ سبحانه ـ أعظم الوعيد لمن رضي بالحياة الدنيا واطمأن بها وغفل عن آياته ولم يرجُ لقاءه فقال:(( إنَّ الَذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ(7) أُوْلَئِكَ مًَاوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ )) [يونس: 7، 8] وعيّر ـ سبحانه ـ من رضي بالدنيا من المؤمنين فقال: (( يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إلاَّ قَلِيلٌ ) ) [التوبة: 38] وعلى قدر رغبة العبد في الدنيا ورضاه بها يكون تثاقله عن طاعة الله وطلب الآخرة.
ويكفي في الزهد في الدنيا قوله ـ تعالى ـ: (( أَفَرَأَيْتَ إن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ(205) ثُمَّ جَاءَهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ (206) مَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ )) [الشعراء: 205 - 207] ) [3] .
وجاء في كتاب: (عدة الصابرين) لابن القيم ما يلي: (جميع الأمم المكذبة لأنبيائهم إنما حملهم على كفرهم وهلاكهم حب الدنيا، فإن الرسل لما نهوهم عن الشرك والمعاصي التي كانوا يكسبون بها الدنيا حملهم حبها على مخالفتهم وتكذيبهم؛ فكل خطيئة في العالم أصلها حب الدنيا ... فحب الدنيا والرياسة هو الذي عمر النار بأهلها، والزهد في الدنيا والرياسة هو الذي عمر الجنة
(1) سير أعلام النبلاء، 4/ 579.
(2) أخرجه أبو نعيم في الحلية، 2/ 152، وانظر: سير أعلام النبلاء، 4/ 576.
(3) الفوائد، ص 87 - 89، باختصار.