جهاته. فيا لها سجدة ما أشرفها من سجدة، لا يرفع رأسه منها إلى يوم اللقاء، وقيل لبعض العارفين: أيسجد القلب بين يدي ربه؟ قال: إي والله، بسجدة لا يرفع رأسه منها إلى يوم القيامة) [1] .
ويشير ابن رجب إلى عبودية القلب قائلًا: (إن تحقق القلب بمعنى لا إله إلا الله وصدقه فيها، وإخلاصه بها يقتضي أن يرسخ فيه تألّه الله وحده، إجلالًا، وهيبة، ومخافة، ومحبة، ورجاء، وتعظيمًا، وتوكلًا، ويمتلئ بذلك، وينتفي عنه تأله ما سواه من المخلوقين، ومتى كان كذلك، لم يبق فيه محبة، ولا إرادة، ولا طلب لغير ما يريده الله ويحبه ويطلبه، وينتفي بذلك من القلب جميع أهواء النفوس وإراداتها، ووساوس الشيطان، فمن أحبّ شيئًا و أطاعه، وأحبّ عليه وأبغض عليه فهو إلهه، فمن كان لا يحب ولا يبغض إلا لله، ولا يوالي ولا يعادي إلا له، فالله إلهه حقًا، ومن أحبّ لهواه، وأبغض لهواه، ووالى عليه، وعادى عليه، فإلهه هواه) [2] .
ونختم هذه المسألة الجليلة بمثال عملي سطّره الصحابي الجليل أبو عبد الرحمن عبد الله ابن عمر - رضي الله عنهما - حيث باع حمارًا له، فقيل له: لو أمسكته! فقال: لقد كان لنا موافقًا، ولكنه أذهب بشعبة من قلبي، فكرهت أن أشغل قلبي بشيء [3] .
فما أتم عبادة ابن عمر لله - تعالى -، و أكمل توحيده وعكوف قلبه على الله - عز وجل - فهو لما رأى التفاتًا تجاه هذا الحمار، بادر إلى بيعه والتخلص منه مع كونه موافقًا له .. فشتان بين هذا المقام الرفيع وبين من تفرّق قلبه في أودية الدنيا وملذاتها، فصارت جل شعب قلبه متعلقة بمال، أو امرأة، أو منصب ووظيفة، والله المستعان.
ومن أجلِّ قواعد هذا الموضوع: أن عبودية الله - تعالى - ملائمة لحقيقة الإنسان وجِبِلّته، ومستوعبة لمقاصده وأعماله.
وقد ورد في الحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أصدق الأسماء حارث وهمّام) [4] فكل إنسان همام أي مريد ومفكر، وكل همام حارث أي صاحب عمل وكسب وسعي، وعبودية الله - تعالى - مناسبة للفطرة فتتسق وتتفق مع طبيعة الإنسان وحقيقته، وتستوعب كل نشاطه وحركته همًا وحرثًا [5] .
وقد أكّد ابن تيمية هذا المعنى في غير موضع؛ فكان مما قاله: (العبد مجبول على أن يقصد شيئًا ويريده، ويستعين بشيء ويعتمد عليه في تحصيل مراده؛ وهذا أمر حتم لازم ضروري في حق كل إنسان) .
(1) طريق الهجرتين، ص 206، 207، وانظر، ص 305.
(2) جامع العلوم والحكم، 1/ 524.
(3) أخرجه ابن المبارك في الزهد، ص 195.
(4) أخرجه أحمد، 4/ 345، وأبو داود والنسائي.
(5) مدارج السالكين، 1/ 165، وانظر الفوائد، ص 27.