الصفحة 14 من 22

المبحث الرابع

تنبيهات

علينا أن نفرق بين بغض الكفار ومعاداتهم، وبين البرِ والاقساط، فبعض الناس يخلطُ بين الأمرين، فيجعل البرَ والعدل مع الكفار محبةً لهم، وعكسَ بعضُ الناس المسألة، فربما ظلمَ الكافر باسم العداوة له.

فالمتعين أن نبغض الكفار؛ لأنَّ الله أمرنا أن نبغضهم، ولكن لا نظلمهم، فقد قال تعالى: (( لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) ) (الممتحنة:8) وقال تعالى في الحديث القدسي: (( يا عبادي، إنِّي حرمتُ الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا ) ).

يقولُ القرافي في كتابه (الفروق) لما فرقَ بين مسألةِ بُغضهم، ومراعاةُ البرِ والإقساط قال:"وسرُّ الفرق أنَّ عقد الذمة يوجبُ حقوقًا علينا لهم؛ لأنَّهم في جوارنا، فيتعين علينا برُّهم في كل أمرٍ لا يكونُ ظاهرهُ يدل على مودةٍ في القلب، ولا تعظيمِ شعائرِ الكفر، فمتى أدَّى إلى أحد هذينِ، امتنع وصار من قبل ما نهى عنه في الآية" [1]

بعض الناس يقول: نحن إذا بغضنا النصارى وعاديناهم - مثلًا - هذا يُؤدي إلى نفرتهم عن الإسلام وبغضهم له.

وليس الأمرُ كذلك، فإنَّ الله تعالى أرحمُ الراحمين، وهو سُبحانه وتعالى أحكمُ الحاكمين، حيثُ شرعَ بُغض الكفارِ وعداوتهم، فلا يتوهم أن تحقيق شعيرةِ البراءةِ من الكافرين يؤولُ إلى النفرة عن الإسلام، بل إنَّ الالتزامَ بهذه الشعيرة - وسائر شعائرِ الإسلام - سببٌ في ظهورِ الإسلام وقبوله، كما وقعَ في القرون المفضلة،"جاء في سيرةِ ابن هشام أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: (( من ظفر به من رجال يهود فاقتلوه ) )فوثب مُحيصةَ بن مسعودِ على ابن سُنَينَة، رجلٌ من تجارِ اليهود يبايعهم، فقلتهُ، وكان حويصة بن مسعود إذ ذاك لم يسلم، وكان أسنّ من محيصة، فلما قتلهُ جعل"

(1) الفروق (3/ 14)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت