(فالطاغوت مشتق من الطغيان، وهو مجاوزة الحد، يقال(طغى الماء) إذا ارتفع مده عن قامة الإنسان بحيث يغرقه، فكل من تجاوز حده الذي حده الله له من وجوب عبادته سبحانه والوقوف عند حدوده بالتزام شريعته، فتجاوز ذلك وسعى في أن يكون معبودا لا عابدا بأي نوع من أنواع المكر والاحتيال أو القهر والإرهاب أو التشريع في التحليل والتحريم والتقنين، فهو طاغوت يجب الكفر به ببغضه وعداوته والابتعاد عنه وبغض أحبابه وأعوانه، ولا يصح الإيمان بالله قطعا إلا بالكفر بالطاغوت ...
وكل من يدعوا إلى مبدأ قومي يلتقي المسلم فيه مع الطوائف الضالة أو إلى مذهب مادي من المذاهب اليهودية فهو من الطواغيت الذين يجب الكفر بهم وبغضهم وعداوتهم والابتعاد عن همزاتهم، فمن حقق الكفر بالطاغوت بجميع أنواعه، وحقق الإيمان بالله بحصر المحبة له ومن أجله وفي سبيله، وبغض كل ما يبغضه الله من أي شخص أو عمل (فقد استمسك بالعروة الوثقى) أ. هـ [1]
وهل اتباع طاغوت الشرعية الدولية وطاعة قوانينه إلا إيمانًا به؟! وقد أمرنا أن نكفر به، قال الله عز وجل: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلًا بَعِيدًا) [النساء:60] . يقول الحافظ ابن كثير في تفسيره لهذه الآية (هذه الآية ذامة لمن عدل عن الكتاب والسنة وتحاكموا إلى ما سواها من الباطل وهو المراد بالطاغوت هاهنا) اهـ.
ويقول ابن القيم في إعلام الموقعين: (من تحاكم أو حاكم إلى غير ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد حكم الطاغوت وتحاكم إليه) اهـ.
ويقول الشنقيطي في تفسيره أضواء البيان: (وكل تحاكم إلى غير شرع الله فهو تحاكم إلى الطاغوت) اهـ من تفسير سورة الشورى.
إن الكفر بالطاغوت والإيمان بالله عز وجل هما ركنا كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) وهو دين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وملة أبينا إبراهيم على الصلاة والسلام الذي أمرنا الله عز وجل باتباعها وذلك في قوله سبحانه (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ) [الممتحنة: 4]
(1) صفوة الآثار والمفاهيم في تفسير آية الكرسي