ويحسن بنا ان نوازن بين هاتين الصورتين لنخرج بالصورة الكاملة التي نراها صحيحة لتصوير هذا المقطع القرآني. ولنأخذ النقاط الثلاثة التي خالف فيها العلامة الطباطبائي الشيخ محمد عبده.
ففي النقطة الاولى قد نجد العلامة الطباطبائي على جانب من الحق كما نجد الشيخ محمد عبده على جانب آخر منه. ذلك لان العلامة الطباطبائي أكد على ما فطر عليه الانسان من غرائز وعواطف مختلفة. وهذا شيء صحيح لما لهذه الغرائز من تأثير كبير في حصول التزاحم والتنافس في المجتمع الانساني الامر الذي يؤدي الى الفساد وسفك الدماء. واساس هذه الغرائز غريزة حب الذات التي جاءت الاديان السماوية ومنها الاسلام من اجل توجيهها صالحًا يدفعها الى تجنب الفساد والسفك.
والشيخ محمد عبده حين يغفل هذا الجانب - في مسألة معرفة الملائكة للفساد وسفك الدماء - يؤكد على جانب آخر له دور كبير ايضًا في الفساد وسفك الدماء وهو الارادة المطلقة والمعرفة الناقصة فلولا هذه الارادة ولولا هذا النقص في العلم لما كان السفك والفساد.
وعلى هذا الاساس يمكن ان نعتبر كلا الجانبين مؤثرًا في معرفة الملائكة لنتيجة هذا الخليفة.
تابع هامش ص 104
(*) لم يكن اسم السائل «ابن صبيغ» بل اسمه «صبيغ بن عسل التميمي» ولم يكن السؤال عن متشابه القرآن وانما كان السؤال عن «والذاريات ذروًا» (1) وهو بحث عن تفسير لغوي. واذا رجعنا الى قوله تعالى «فأصبح هشيمًا تذروه الرياح» (2) عرفنا تفسير اللفظ.
كما أن الخليفة عمر قرأ على المنبر «فأنبتنا فيها حبًا وعنبًا وقضبًا - الى قوله تعالى - وأبًا» قال: كل هذا قد عرفناه، فما الأب؟ ثم رفض عصا كانت في يده فقال: لعمر الله هو التكلف فما عليك أن لا تدري ما الاب، اتبعوا ما بين لكم هداه من الكتاب فاعملوا به وما لم تعرفوه فكلوه الى ربه. (3)
وكذلك عندما سُئل ايضًا عن «فاكهة وأَبًّا» أقبل عليهم بالدرة (4) . مع أن تفسير اللفظين ورد بعدهما في قوله تعالى «متاعًا لكم ولانعامكم» (5) .