وقال السرخسي: (رَجُلٌ أَمَرَ رَجُلًا أَنْ يَشْتَرِيَ دَارًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ إنْ فَعَلَ اشْتَرَاهَا الْآمِرُ مِنْهُ بِأَلْفٍ وَمِائَةٍ فَخَافَ الْمَأْمُورُ إنْ اشْتَرَاهَا أَنْ لَا يَرْغَبَ الْآمِرُ فِي شِرَائِهَا قَالَ: يَشْتَرِي الدَّارَ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِيهَا وَيَقْبِضُهَا ثُمَّ يَأْتِيهِ الْآمِرُ فَيَقُولُ لَهُ قَدْ أَخَذْتهَا مِنْك بِأَلْفٍ وَمِائَةٍ فَيَقُولُ الْمَأْمُورُ هِيَ لَك بِذَلِكَ، وَلَا بُدَّ لَهُ أَنْ يَقْبِضَهَا عَلَى أَصْلِ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى هَذَا الشَّرْطِ لِجَوَازِ التَّصَرُّفِ فِي الْعَقَارِ قَبْلَ الْقَبْضِ عِنْدَهُمَا وَالْمُشْتَرِي بِشَرْطِ الْخِيَارِ يَتَمَكَّنُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي الْمُشْتَرَى بِالِاتِّفَاقِ، وَإِنْ اخْتَلَفُوا أَنَّهُ هَلْ يَمْلِكُهُ مَعَ شَرْطِ الْخِيَارِ أَمْ لَا؟ فَإِنَّمَا قَالَ الْآمِرُ: يَبْدَأُ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي الْمُشْتَرَى فَيَقُولُ: أَخَذْت مِنْك بِأَلْفٍ وَمِائَةٍ؛ لِأَنَّ الْمَأْمُورَ لَهُ لَوْ بَدَأَ قَالَ: بِعْتهَا مِنْك رُبَّمَا لَا يَرْغَبُ الْآمِرُ فِي شِرَائِهَا وَيَسْقُطُ خِيَارُ الْمَأْمُورِ بِذَلِكَ فَكَانَ الِاحْتِيَاطُ فِي أَنْ يَبْدَأَ الْآمِرُ حَتَّى إذَا قَالَ الْمَأْمُورُ: هِيَ لَك بِذَلِكَ، ثُمَّ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ لَمْ يَرْغَبْ الْآمِرُ فِي شِرَائِهَا يُمَكِّنُ الْمَأْمُورَ مِنْ رَدِّهَا بِشَرْطِ الْخِيَارِ فَيَنْدَفِعُ الضَّرَرُ عَنْهُ بِذَلِكَ اهـ) [1]
وهذا الكلام يتفق مع كون الوعد غير ملزم عند الحنفية، قال ابن عابدين: (من هنا نعلم أن خلف الوعد مكروه لا حرام اهـ) [2] ،، ولقد وقع عندي إشكال في فهم كلام الإمام محمد بن الحسن الشيباني الآتي، حيث يقول الإمام: (قلت: أرأيت رجلا أمر رجلا أن يشتري دارا بألف درهم وأخبره إنه إن فعل اشتراها الآمر بألف درهم ومائة درهم فأراد المأمور شرى الدار ثم خاف إن اشتراها أن يبدو للآمر فلا يأخذها فتبقى الدار في يد المأمور كيف الحيلة في ذلك: قال يشتري المأمور فيقول له قد أخذت منك الدار بألف درهم ومائة فيقول له المأمور فيقول له المأمور هي لك بذلك فيكون ذلك للآمر لازما ويكون ذلك استيجابا من الآمر للمشتري) اهـ [3] ولكن الذي أفهمه أن إلزام الآمر بالشراء هو بعد أن يشتري المأمور الدار ثم يعرض الآمر على المأمور شراء الدار فيوافق المأمور لأنه بذلك أصبح عقدا ملزما للآمر، ولو كان الوعد من المأمور ملزما فلم قال: (كيف الحيلة في ذلك) بل كان يمكنه
(1) السرخسي، المبسوط، ج 34 ص 67
(2) ابن عابدين، محمد بن أمين، رد المحتار على الدر المختار، ج 23 ص 466
(3) الشيباني، محمد بن الحسن، المخارج في الحيل، ص 42