فهرس الكتاب

الصفحة 1 من 7

د. رقية العلواني

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمد الشاكرين والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين.

بين يدي السورة

حين تجفّ المآقي فلا تجود بدمعةٍ في جوف الليل من خشية الله، وحين يقسو القلب فينافس في قسوته وصلابته الحجر والحديد، حين تأخذنا الدنيا ببهرجتها الفارغة بعيدًا عن مضمار السباق إلى الآخرة فنتخلّف عن السير حتى نغدو في آخر الرَكْب، تأتي هذه السورة العظيمة التي بين أيدينا لتنتشلنا من هذه الغفلة والبُعد عن الله عز وجل، إنها سورة الحديد.

تلك السورة التي حوت في آياتها بعض ما نزل في المدينة وبعض ما نزل في مكة. محور السورة الأساس الذي تدور حوله كل الآيات من أولها إلى آخرها، معالجة مظاهر القسوة في القلوب.

سورة الحديد هي دعوة من الله عز وجل تحبُّبًا لعباده للعودة إليه، تحبُّبًا من خالق كريم غني حميد ولكنه رؤوف بعباده رحيم، يفتح أبواب التوبة والرحمة لعباده، يدعوهم، يتحبَّب إليهم أنْ هلُّموا إلي!.

مهما ابتعدت بكم الدروب ومهما اختلفت الأحوال ومهما قست القلوب، تبقى أبواب التوبة - التي تفتح سورة الحديد- مشرعة أمامنا جميعًا للعودة إلى الله عز وجل ذلًا وانكسارًا بين يديه، خشوعًا وتسبيحًا، إذعانًا لأمره ليخرج المؤمن من نفسه وماله لله عزّ وجل وحده لا شريك له.

ليخرج الإنسان من كل ما يمتلك تضحية وبذلًا وعطاءً لربٍّ كريم يرجو أن يجد عنده سبحانه وتعالى كل ما ترك من متاع الدنيا والآخرة.

مقاصد السورة ومحاورها

هذه السورة العظيمة تعيد القلوب لخالقها حين تتغلغل بآياتها في داخل القلب لتسكن فيه، فيُضاء القلب و يسير الإنسان على نور وبصيرة في الحياة، في الواقع الذي يعيش، في المجتمع، في الأسرة، في كل ما حوله ليصبح هذا الإنسان المتحرِّك بأمر الله سبحانه وتعالى تسبيحًا وإذعانًا وخشوعًا لأمره وتنفيذًا لما جاء في هذه السورة مصدر نور وإشعاع لكل من حوله.

كل من يقترب من هذا الإنسان المؤمن، يصيبه من ذاك النور شيء، يصيبه من ذلك الغيث شيء، يصيبه من ذلك الخير الذي يفيض والعطاء الذي يشعّ من قلبه وروحه بشيء.

هذه السورة العظيمة تواصل بآياتها لتعود بالإنسان إلى خالقه من جديد فيبقى ذلك النور متواصلًا معه في مسيرته في الحياة ولا يفارقه أبدًا ولا حتى بعد الممات ولا حتى في عَرَصات يوم القيامة ولا حتى في مقام الصراط، تلك المواقف العظيمة المهولة التي تأخذ بالألباب وبالعقول. يبقى النور مصاحبًا لذلك المؤمن ليسعى بين يديه ويسعى من خلفه وعن أيمانهم وعن شمائلهم حتى يجعل كل من حوله يطمع في أن يصل إليه شيء من ذلك النور.

سورة الحديد العظيمة تعالج مرض قسوة القلب، وتصلب الإيمان في شرايينه، الأمر الذي يؤدي إلى تكلُّس معاني الخشوع والخضوع والإذعان لله عز وجل في شرايينه بأساليب متعددة متنوعة، لتؤكد على أن مرض القسوة، الذي يبدأ بغفلة بسيطة تزداد شيئًا فشيئًا، حتى تسدّ على القلب منافذ الإدراك فيه، فتتركه صلدًا صلبًا، قد يسوق صاحبه في داء النفاق الذي أدّى بالخروج إلى أمم سابقة من أهل الكتاب إلى الوقوع في الفسق والخروج عن أوامر الله عز وجل.

السورة تقدم خطوات لكيفية عودة القلب إلى خالقه سبحانه، عودته من القسوة إلى الخشوع واللين، من البخل والشُحّ إلى البذل والعطاء، من الإختيال والفخر الواهم إلى التواضع والسكون والتضرّع والإنكسار بين يدي خالقه سبحانه، من الركود والركون والسلبية والعُزلة عن الناس إلى الواقع ليعالج ويصحِّح ويصبح مصدر نور وإشعاع لكل من حوله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت