كما أن الحد من المنافسة قد يأتي من السلطة، مثل عدم الترخيص لمنشآت إضافية، لمبررات تراها، ولكن يترتب على هذا الحد ارتفاع أسعار السلع التي توفرها المنشآت المرخصة، مقارنة بالأسعار المتوقعة لو رخص لمنشآت إضافية. كما أن السلطة قد تحصر على نفسها بيع سلعة أو تقديم خدمة من غير السلع العامة (السلع العامة المعروفة في علم الاقتصاد بـ public goods غير مقصودة هنا) .
هل تحرم هذه الممارسات إذا كان الهدف الإغلاء ووقعت على ما يحتاج إليه الناس؟ مبدئيا، أظن أن الجواب نعم، مثلها مثل الحبس أو قياسا على الحبس. لكن ينبغي ألا ننسى أن الممارسات التجارية إجمالا تقوم أصلا على اغتنام الفرص لتحقيق ربح، ومن ثم فالأمر بحاجة على مزيد نظر وتمحيص.
في حالة تقليل الإنتاج، قد لا يكون هذا العمل ممنوعا شرعا، وقد يكون. وإذا كان ممنوعا، قد يجبر المقلل على البيع بسعر بعينه أي يطبق عليه التسعير. وفي هذا يقول ابن تيمية - رحمه الله:"والمقصود هنا أن ولي الأمر إن أجبر أهل الصناعات على ما تحتاج إليه الناس من صناعاتهم كالفلاحة والحياكة والبناية فإنه يقدر أجرة المثل، فلا يمكن المستعمل من نقص أجرة الصانع عن ذلك, ولا يمكن الصانع من المطالبة بأكثر من ذلك حيث تعين عليه العمل، وهذا من التسعير الواجب". (قاعدة في الحسبة، كتاب الجهاد، الفتاوى) .
ولا شك أن الشريعة تأمر بالعدل وجاءت لتحقيق مصالح العباد. ولكن تطبيق التسعير لتحقيق العدل قدر الإمكان وأعلى مصلحة للعباد يتطلب فهم قضايا مثل طبيعة الأسواق وكيف تعمل، وطبيعة وخصائص السلع ومكان الحاجة وأسباب الغلاء وكيف يسعر. وهي جوانب تخرج عن حدود وطبيعة البحث الفقهي، وبحثها في علوم أخرى كثيرة، تحت نطاق (أنتم أعلم بأمور دنياكم) .