أن يترك مالا فمصير ديونه السقوط، وإن ترك مالا تعلقت الديون بماله) ضعيف؛ وذلك لأن ثمرة الذمة ليست هي فقط مطالبة صاحبها بتفريغها من الدين الشاغل لها ـ وقد تقدمت منا فوائد الذمة ـ على أن تفريغ الذمة ليس هو فقط بأداء صاحب الذمة ما عليه، فقد عرفنا سابقًا: أن المتبرع يتمكن أن يفرغ الذمة المشغولة، كما أن الإبراء أيضًا كذلك، وكذا الضمان.
ثم إننا لا ندري ما هو الدليل على أن صاحب الذمة المشغولة إن لم يترك مالًا عند موته تسقط ديونه؟!!
نعم، الميت غير مكلف بأداء الدين بعد موته؛ لأنه خرج عنه كونه مكلفًا، أما
أن ذمته مشغولة فهو شيء آخر غير العهدة، وهذا لا يزول ولا يسقط بالموت.
إذن، الصحيح ما قلناه سابقًا من: أن الذمة تبقى بعد الموت صحيحة إلى أن توفى الديون، أو يبرأ من قبل الدائنين، أي: يتبرع عنه متبرع، أو يضمن من قبل شخص حي ويقبل الدائن. والدليل على ذلك ـ بالإضافة إلى ما تقدم من أن الذمة وعاء اعتباري يعتبره العقلاء، والاعتبار سهل المؤونة، فيكون بعد الموت أيضًا ـ ما ورد في الحديث النبوي الشريف: (إن ذمة الميت مرتهنة بدينه حتى يقضى عنه) (27) .
نعم، بالموت يخرج الإنسان عن صلاحية المطالبة في الدنيا، كما لا يجب عليه الأداء؛ لعدم تكليفه، لكن هذا لا يوجب عدم بقاء الذمة وصلاحيتها لأن تشتغل بالدين، وقد وردت صحة أن تشغل ذمة الميت بدين جديد متفرع عن سبب سابق: كما لو باع شخص شيئًا وتوفي ورد بعد الموت بعيب فيه، فإن ذمة البائع تشتغل بثمنه الواجب الرد. وكذا لو باشر في حياته سببًا من أسباب الضمان: كمن حفر حفرة في الطريق العام ثم مات فتردى حيوان في الحفرة بعد موته، فإن ذمة الحافر تشتغل بضمان قيمة الحيوان فتؤخذ من تركته.
والى هذا الرأي ذهب الشافعية (28) ، وهو رأي المالكية وفريق من الحنابلة أيضًا (29) .
ومما تقدم ـ أيضًا ـ يبطل القول الحنفي القائل: إن الذمة تضعف بالموت ولكن لا تنهدم، أي: يبقى للذمة ما تقتضيه الضرورة، وهذا الضعف يبدأ من مرض الموت، لذا توثق الديون التي على الميت بتعلقها بماله تقوية لذمته.
ودليل بطلان هذا القول هو: أن تعلق الديون التي على الميت بأموال الميت الخارجية ليس معناه خراب الذمة، حيث إن هذا حكم مستقل دلت عليه الروايات القائلة: (إذ مات المدين حلت جميع ديونه) وبما أنه (لا تركة إلاّ بعد سداد الديون) (30) .
فحينئذٍ تباع التركة وتسدد الديون، وهذا كما ترى لا ارتباط له بفساد ذمة الميت.
نعم، ذمة الميت لا يمكن أن تشغل بحق مالي كلي جديد؛ لأن الإنسان هو الذي يشغل ذمته بنفسه؛ لأنه هو المالك لها على حد ملكيته لنفسه ولأعماله، وبما أنه قد مات فلا يتمكن أي شخص من إشغال ذمته بعد الموت، وهذا أيضًا لا ارتباط له بخراب الذمة، إذ عدم إمكان إشغال الذمة في حال معين ليس معناه: أنه لا ذمة، أو أنها قد خربت.