إن أجسادنا التي نرتديها الآن والتي نعمل بها ونكد ونتزوج وننجب ليست هي الأجساد التي ارتديناها فور نزولنا من بطون أمهاتنا تلك الأجساد العاجزة عن كل ما نقوم به الآن من عمل وكد وتفكير وإبداع وحروب وزواج وغير ذلك!
أجساد لا حصر؛ كل لحظة نخلع جسدًا، ونلبس آخر؛ كل هذا بغير اختيار منا لشيء.
أما أنا فأكرر: ما رأيتُ جسدك الذي تركتيه في التراب بغير اختيارك، ولا رأيت جسدك الذي لبستيه بعد الموت بغير اختيارك أيضًا، ولكني مع هذا وذاك أعرفه جيدًا؛ فقد وصفه الله سبحانه وتعالى على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم؛ ومن ذلك الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (( ضِرْسُ الْكَافِرِ، أَوْ نَابُ الْكَافِرِ، مِثْلُ أُحُدٍ وَغِلَظُ جِلْدِهِ مَسِيرَةُ ثَلَاثٍ ) ) [صَحِيحٌ] رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ (8345) ، وَمُسْلِمٌ (2851) .
فإن ضرسكِ الذي لم يكن يبلغ حجمه في الدنيا حبة الترمس؛ فقد أصبح الآن أعظم حجمًا من جبل أحد، وإن سمك جلدك الذي كان رقيقًا في الدنيا لا يبلغ سمكه مليمتر واحد، أصبح سمكه الآن مئات الكيلو مترات!
أقسم بالله إنه لحق! وأقسم بالله إنك الآن لكذلك ولكن أكثر الناس لا يعلمون!
"الذي خذلني": كعادة الراسبين والفاشلين يبحثون عن أي شيء يعلقون عليه أخطاءهم!
لا والله ما الجسد الذي خذلك؛ فما الجسد إلا ثوب من الطين قد أودع الله سبحانه وتعالى فيه روحه وسره وأمانته عز وجل، ثم استرد صاحب الأمانة أمانته عز وجل ثم رجع الثوب الطيني إلى الطين الذي صُنِعَ منه مرة أخرى!
فالذي خذلك هو عملك السيء!
الذي خذلك هو عقيدتك الإلحادية الفاسدة!
وأما الجسد كما قلنا فما هو إلا ثوبٌ طيني لا يعقل، يُلْبِسُهُ الله سبحانه وتعالى لخلقه متى شاء، وينزعه منهم متى شاء، ليلبس كلًا منهم بعد ذلك الثوب الذي يلائم عقيدة كلًا منهم وعمله.
"طاقتي وحبي وضحكتي وذكرياتي المذهلة، كلها هنا معكم": تعزين نفسك بما لا عزاء فيه! فلا هذا يخفف من عذابك ولا أمرك يشغل بالهم كثيرا.
انظري لنفسك: لقد حكيت عن نفسك أنك تفضلين البقاء مع ابنتك وزوجك عن البقاء مع أي أحد.
فأنت تفضلين ابنتك على أبيك وأمك!