فصل
وقد تنازع الناس في الطواف على الشاذروان، واستشكل ابن رُشيد تصوير المسألة بأن الطواف عليه غير ممكن ولا متصور، لأنه إنما يكون للماشي عليه تحت قدمه فكيف يمسه بيده، إلا أن يكون المراد هواء الشاذروان وما حاذاه من الجدار فيصح تصوره، أو يكون ذلك في حق من طاف زاحفًا لمرض أو زمانة.
وهذا الذي استثناه هو مراد الفقهاء في المسألة، ولا سيما مع شدة الزحام وكثرة الناس وتدافعهم، فإنه يقع للطائف ولا بد الالتصاق بجدار الكعبة وشاذروانها، ودخول شيء من بدنه وأطرافه في هواء الشاذروان، كما هو واقع مشاهد قد عمّت به البلوى، فهل يصح طوافه والحال هذه.؟
والذي ليس بمتصور اليوم هو الطواف على الشاذروان، فإنه لا يمكن لأنه اليوم مسنّم وليس بمسطح، والظاهر أن العلامة محب الدين الطبري حين اجتهد في تتميم ما نقص منه عن قدر الذراع، عمل على جعله مسنّمًا كما تقدم في كلام العلامة الجمل، كي لا يتمكن أحد من الطواف عليه، وبالتالي يخرج الناس من الخلاف ولا يقع الطائف في المحذور.
ولهذا قال البعلي في (المطلع) : (إن الشاذروان في هذا الزمان قد صُفّح بحيث يعسر الدوسُ عليه، فجزى الله فاعله خيرًا) وعليه فقد انحصر الخلاف والبحث في المسألة فيما لو مسّه الطائفُ أو دخل شيءٌ من بدنه وأطرافه في هوائه.
وسبب الخلاف في المسألة أن هذا الشاذروان هل هو من البيت أم لا؟ فمن يقول إنه منه، فإنه يقطع ببطلان طواف من طاف على الشاذروان، أو مسَّه، أو صار شيء من بدنه فوقه في هوائه أو مسامتًا له حال الطواف، وإلا فلا.
وقد ذهب الجمهور من أصحاب الشافعي ومالك وأحمد إلى بطلان الطواف ومنع صحته ووجوب إعادته إذا كان على الشاذروان أو مماسًا له، أو دخل شيء من بدن الطائف في هواء الشاذروان.
وقال الشافعي في (كتابه) : (أما الشاذروانُ فأحسبُهُ مُنشأ على أساس الكعبة ثم مقتصرًا بالبنيان عن استيطافه، فإذا كان هذا هكذا كان الطائفُ عليه لم يستكمل الطوافَ بالبيت، إنما طاف ببعضه دون بعض) .
وتبعه المزني فقال في (مختصره) : (الشاذروانُ تأزِيرُ البيت خارجًا عنه، وأحسبه على أساس البيت، لأنه لو كان مباينًا لأساس البيت لأجزأه الطواف عليه) .
وقال الفاسي في (العقد الثمين) : والشاذروان: هو ما نقصته قريش من عرض أساس جدار البيت حين ظهر على الأرض كما هو عادة الأبنية، أشار إلى ذلك الشيخ أبو حامد الإسفرايني وغيره من أئمة الشافعية.
ونص بعض من صنف في تاريخ البيت الحرام أن الشاذروان على أساس البيت كما قاله ابن الضياء وغيره.