فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 19

فصل

وأما خبر عائشة عند البخاري وسؤالها عن جدر البيت، فلا دليل فيه على أن الشاذروان من البيت، لأن ما ذكره الحافظ عبد الغافر من تفسير الجدر بالشاذروان حادث لا أصل له، والظاهر أنه فسره بمقتضى مذهبه في المسألة، وهذا يقع كثيرًا لبعض العلماء، يحملون كلام الشارع ونصوصه على الاصطلاح الحادث وهو اصطلاح المذهب، وقد تقرر أن الاصطلاح لا يكون حاكمًا على اللغة.

والمحفوظ عن أهل العلم باللسان والغريب أن الجدر هو الحطيم، وأخرج إبراهيم الحربي في (غريبه) بسنده عن ابن عباس وقال له رجلٌ: أرأيتَ الحطيم؟ قال: لا حطيم, إنّ أهلَ الجاهلية كانوا يُسمُّونه الحَطيم, وإنما هو الجَدر, كان أحدُهم إذا حلف جاء بمحجنه أو بسوطه فوضعه عليه, وإنما هو الجَدر فمن طاف بالبيت فليطُف من ورائه.

وذكر أبو عبيد والخطابي وأهلُ اللغة وشُرّاحُ (الصحيح) أن الجَدْر هو الجدار، يعني جدار حِجْرِ الكعبة الذي هو الحطيم، قال أبو عبيد: وأما الجَدْر: فهو الجدار, ومنه قول ابن عباس رحمه الله حين سُئل عن الحطيم, فقال: هو الجَدْر.

ولهذا أجابها النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم بأن الجَدْرَ من البيت وذكر لها سبب عدم إدخال قريش له فيه، ولو كان هو الشاذروان لما وقع في كونه من جملة البيت اختلاف، كما لم يُختلف في الحطيم أنه من البيت.

اللهم إلا إن يكون من فسّر الجدر بالشاذروان قصد به شاذروان الحطيم كما قاله المحب الطبري فيما حكاه أبو الطيب الفاسي عنه في (تاريخه) فهو صحيح.

وخلاف من خالف في صحة الطواف من عند الحطيم كالحنفية فليس علته أنه ليس من البيت، بل علته عندهم راجعة إلى أصلهم في اعتبار الغالب والعفو عن اليسير، لأن من طاف بين البيت والحطيم فقد طاف حول أغلب البيت وترك اليسير منه، فيصح على أصلهم خلافًا للجمهور.

والآثار الواردة عن السلف في أن الحطيم وهو الحِجْر من البيت لا نزاع فيها، وإنما الخلاف في صحة الطواف أو بطلانه إذا طاف بين الحطيم والبيت، وليس في هذا الآثار ما يدل على منع صحة الطواف، بل فيها دلالة على أن طوافه ناقص كقول الزهري: سمعتُ بعض علمائنا يقول: (إنما حُجِّرَ الحِجْرُ فطاف الناسُ من ورائه إرادة أن يستوعبَ الناسَ الطوافُ بالبيت) وهذا لا ينافي الإجزاء والصحة.

فالصحيح أن الشاذروان لا يثبت فيه نقل يعول عليه يقتضي أنه من البيت، وبالتالي فمن طاف عليه أو دخل في هوائه فطوافه صحيح على الأصل، ولا ينتقل عن هذا الأصل إلا بدليل صحيح من النقل، فكيف والمنقول يقتضي في ظاهره أنه خارج عن أساس البيت وقواعده الإبراهيمية.؟!

ومع هذا فقد ذكر غير واحد من العلماء ممن يذهب إلى أن الشاذروان خارج عن البيت، أنه ينبغي الاحتراز منه احتياطًا، كما يُحترز من اختراق الحطيم في الطواف، فقال ابن عابدين في الشاذروان: (قيل إنه من البيت بقي منه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت