تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21] ، وتأتي أسوة هنا بمجموعة من المعاني، وهي:
-القدوة؛ فالقائد قدوة لأتباعه في كل شيء، فيقال: فلان أسوة، وهو خليقٌ بأن يؤتسى به.
-القوم أسوة؛ أي: متماثلون في الأشياء؛ فالقائد أسوة مع أتباعه، فهو مثله مثلهم لا يمتاز عنهم بمأكل ولا مشرب، ولا مسكن ولا مركب، فهم في الحال سواءٌ.
-من المواساة، وهي تخفيف الألم؛ لأن الأسَى هو الألم، ودور القائد أن يَرْبِتَ على أكتاف المهمومين والجياع والمساكين، فيواسيهم.
-جاء في القاموس المحيط للفيروزابادي: والآسي: الطبيب؛ فالقائد الإيجابي هو طبيب القوم، لا أقول: طبيب الأبدان، ولكن طبيب الأرواح والقلوب.
والقائد الأسوة يكون له دور تربوي لأتباعه، وتكون تربيته من خلال:
-التوجيه المباشر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بعد تشخيصه، سواء كان ذلك ظاهرة من ظواهر المجتمع، أو تصرُّفًا فرديًّا.
-وضع الأنظمة والقوانين، التي تضمن أن يكون توجيه القدوة يمكن تطبيقه على أرض الواقع.
-التأثير على الأتباع بالقدوة، بمعنى أن يقوم هو بالتصرف المناسب الصحيح، فيجتنب المنكر، ويفعل المعروف بنفسه، فيشاهده الأتباع، فيصنعون مثله.
13 -الزهد في الدنيا وما فيها: فالقائد الإيجابي لا يفكر في حظوظ الدنيا، ولا ملذاتها؛ لأنها ليست مرادة، ولا هدفَه الذي يكِدُّ مِن أجله؛ قال تعالى: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [طه: 131] ، وهكذا استجاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذ الأمر، وترك زينة الحياة الدنيا، حتى إنه كانت تمر عليه أيام وليس في بيته ما يطبخ، وأيام أخرى ليس في بيوته إلا الماء؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رجلًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فبعث إلى نسائه، فقُلْن: ما معنا إلا الماء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( مَن يضمُّ أو يُضيِّف هذا؟ ) )، فقال رجل من الأنصار: أنا، فانطلق به إلى امرأته، فقال: أكرمي ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: ما عندنا إلا قوت صبياني، فقال: هيئي طعامك، وأصبحي سراجك، ونوِّمي صبيانك إذا أرادوا عَشاءً، فهيأت طعامها، وأصبحت سراجها، ونومت صبيانها، ثم قامت كأنها تصلح سراجها فأطفأته، فجعلا يُريانه أنهما يأكلان،