وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ، إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وإن إخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم، وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشبع بطنه، ويحضر ما لا يحضرون، ويحفظ ما لا يحفظون"."
وقد كان أبو هريرة قوي الحفظ ببركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم له، روى البخاري في صحيحه (2350) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: يقولون: إن أبا هريرة يكثر الحديث!! والله الموعد، ويقولون: ما للمهاجرين والأنصار لا يحدثون مثل أحاديثه؟! وإن إخوتي من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وإن إخوتي من الأنصار كان يشغلهم عمل أموالهم، وكنت امرأ مسكينا، ألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ملء بطني، فأحضر حين يغيبون، وأعي حين ينسون، وقال النبي صلى الله عليه وسلم يومًا: «لن يبسط أحد منكم ثوبه حتى أقضي مقالتي هذه، ثم يجمعه إلى صدره فينسى من مقالتي شيئًا أبدًا» فبسطت نمرة ليس علي ثوب غيرها، حتى قضى النبي صلى الله عليه وسلم مقالته، ثم جمعتها إلى صدري، فوالذي بعثه بالحق، ما نسيت من مقالته تلك إلى يومي هذا، والله لولا آيتان في كتاب الله، ما حدثتكم شيئًا أبدًا: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} .
وروى الترمذي (3835) وصححه الألباني عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله أسمع منك أشياء فلا أحفظها، قال: «ابسط رداءك» فبسطت، فحدث حديثًا كثيرا، فما نسيت شيئا حدثني به.
وفي سنن النسائي الكبرى (5839) بسند جيد عن محمد بن قيس عن أبيه أن رجلًا جاء زيد بن ثابت رضي الله عنه يسأله عن شيء، فقال له زيد: عليك أبا هريرة، فإني بينما أنا وأبو هريرة، وفلان في المسجد ذات يوم ندعو الله، ونذكر ربنا خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جلس إلينا فسكتنا فقال: «عودوا للذي كنتم فيه» ، قال زيد: فدعوت أنا وصاحبي قبل أبي هريرة، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤمِّن على دعائنا، ثم دعا أبو هريرة، فقال: اللهم إني أسألك مثل ما سألك صاحباي هذان، وأسألك علمًا لا يُنسى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «آمين» ، فقلنا: يا رسول الله ونحن نسأل الله علمًا لا يُنسى، فقال: «سبقكم بها الغلام الدوسي» .