الصفحة 5 من 67

عبادة الميتافيزيقيين لللات والعزى

نظرات تأملية في سورة النجم

عبد الناس النجم، وظلت هذه الوثنية قرونا وقرون، وظل النجم علامة في السماء ينظر إليه الناظرون ويتأمله المتأملون، فكان علامة فارقة في هذا الكون الفسيح، يهتدي به من سعي، وضل بعبادته من ضل، والعجيب أن الوثنيين ربطوا عبادتهم للأصنام بهذه النجوم فسجدوا لها، وقد دفعهم لعبادتها - قديما - أن وجدوا لها تأثيرا ملموسا على كوكب الأرض وقد ترجم اسحق نيوتن هذه العلاقة من خلال نظرية عن الجاذبية تبين أن ثمة علاقة بين الميكانيكا السماوية celestial mechanics والأرض، وهي مسألة كان القدماء المصريون يلمسون أثرها في طوفان النيل حين تشرق الشمس من جهة كوكب الشعرى في فصل الصيف، فاختاروا لبدء السنة الزراعية اليوم الموافق لظهور نجم الشعرى اليمانية في أفق منف قبل الفجر، أي يشرق مع الشمس في وقت واحد تقريبا [1] ، من هنا حاول المنجمون والكهان غواية الناس معهم، بادعائهم معرفة الغيب، وأوقات الفيضان بما يفيد زراعتهم، وذلك بتقربهم للجن الذين يسترقون السمع من السماء، ولا يتحقق ذلك إلا بعدما يقدم الكاهن أو الساحر للشيطان ما يثبت ولاءه له، وقد زين له الشيطان الأمر ويلبس عليه الأمور، يقول سبحانه، {وَإِنَّ الشَّياطينَ لَيوحونَ إِلى أَولِيائِهِم لِيُجادِلوكُم وَإِن أَطَعتُموهُم إِنَّكُم لَمُشرِكونَ} (الأنعام/(121 ) ) ، فالشياطين توحي لأوليائها من السحرة بنوع من الإخبار الخفي الذي يسمى وحيا لينشروا الكفر والإلحاد في الأرض، إعلام بخفاء لا يفهمه ولا يدركه إلا من يوحِي أو يوحَي إليه، فيأمرون السحرة والكهان أن يدفعوا الناس دفعا لعبادة الأوثان، ويحل الشيطان في الصنم، قال أبي بن كعب: كان مع كل صنم جنية من الشياطين [2] ، عندئذ يحتالون عليهم بأنهم يتقربون- بذلك - إلى الله، قال تعالى {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} {الزمر/3} والحقيقة أنهم يعبدون الشيطان.

ونستشهد لذلك بكلام ابن القيم قال:"ومنهم من يعبد أصناما اتخذوها على صورة الكواكب وروحانيتها بزعمهم وبنوا لها هياكل ومتعبدات لكل كوكب منها هيكل يخصه وصنم يخصه وعبادة تخصه .... ، فوضع الصنم إنما كان في الأصل على شكل معبود غائب فجعلوا الصنم على شكله وهيأته وصورته ليكون نائبا منابه وقائما مقامه، وإلا فمن المعلوم أن عاقلا لا ينحت خشبة أو حجرا بيده ثم يعتقد أنه إلهه ومعبوده، ومن أسباب عبادتها أيضا: أن الشياطين تدخل فيها وتخاطبهم منها وتخبرهم ببعض المغيبات وتدلهم على بعض ما يخفى عليهم وهم لا يشاهدون الشياطين فجهلتهم وسقطهم يظنون أن الصنم نفسه هو المتكلم المخاطب وعقلاؤهم يقولون: إن تلك روحانيات الأصنام وبعضهم يقول: إنها ملائكة وبعضهم يقول: إنها العقول المجردة وبعضهم يقول: هي روحانيات الأجرام العلوية وكثير منهم لا"

(1) برهان الدين داو: حضارة مصر والعراق: التاريخ الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسياسي ص 199 دار الفارابي - بيروت - لبنان الطبعة الأولى 1989

(2) تفسير السمعاني ج 1 ص 479

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت