شهادة أهل الأهواء
إنَّ الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومَن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد:
اتَّفق العلماء على اشتراط العدالة في الشهود، فلا تُقبل شهادة الفاسق، إلا ما رُوي عن أبي يوسف رحمه الله كان يقول: إذا كان وجيهًا في النَّاس، ذا مروءة، تُقبل شهادته؛ لأنَّه لا تتمكَّن تهمة الكذب في شهادته؛ فلِوَجَاهته لا يتجاسر أحد من استئجاره لأداء الشَّهادة ولمروءته يمتنع من الكذب من غير منفعة له في ذلك، والأصحُّ أنَّ شهادته لا تُقْبَل [1] .
قال ابن رشد: اتَّفقوا على أن شهادة الفاسق لا تُقْبَل؛ لقوله ?: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ} [2] الآية. اهـ [3] .
وعبَّر ابن قدامة على عادته عن هذا الاتفاق بنفي العلم بالخلاف في عدم قبول شهادة الفاسق، وأن الجزء المجمع عليه هنا؛ هو الفسق بالأفعال، وأما الفسق بالاعتقاد ففيه خلاف، قال ابن قُدامة في"المغني":"فالفسوق نوعان:"
أحدهما: من حيثُ الأفعال، فلا نعلم خلافًا في ردِّ شهادته.
والثاني: مِنْ جِهة الاعتقاد، وهو اعتقاد البِدْعة". اهـ [4] ."
والنوع الثاني من الفِسْق الذي ذَكَرَه ابن قُدامة، وهو الفِسْق بالاعتِقاد، ينْقَسِم إلى قسمَيْن:
القسم الأول: لا تُقبل شهادتُه، وهو من كفر ببدعته وهواه، كالمخالف في أصول التَّوحيد والنبوة، وإن فرَّق أبو حنيفة بين أهل الملل وغيرهم، فأجاز شهادة أهل الملل بعضهم لبعض، وردَّ شهادة غيرهم.
(1) "المبسوط"؛ للسرخسي (16/ 131) .
(2) [الحجرات: 6] .
(3) "بداية المجتهد" (2/ 462) .
(4) "المغني" (12/ 28) .