يجيب قائلًا:"أجدني بخير وعافية"، وقد يكون هذا القائل مريضًا لكنه لا يدري؛ لأن أعراض المرض ليست من الوضوح، أو لأنه من الاندماج في حياته اليومية بحيث لا يتنبَّه لحالته الصحية الحقيقية، وبالمِثل يمكن أن يقول الواحد منَّا (صادقًا فيما يظن) ": إنه وجَد فلانًا يضرب ابنه عند البيت، بينما الحقيقة أنه كان يداعِبه أو كان يضرب ابن الجيران مثلًا، لكن المتكلِّم توهَّم الأمر على ما قال، كذلك فالمصاب بعمى الألوان قد يقول: إنه وجَد البطيخة التي اشتراها خضراء على عكس ما أكَّد له البائع، ثم يكون العيب في الشاري لا في البائع ولا في البطيخة، أما المتنبي في قوله:"
ومن يكُ ذا فم مرٍّ مريض = يجد مرًّا به الماءَ الزُّلالاَ
فقد كفانا مؤنة التوضيح بأن وِجداننا الشيء على وضْعٍ ما لا يعني بالضرورة أنه على هذا الوضع في الحقيقة والواقع، وفي القرآن مثلًا: {فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ} [الكهف: 77] ، وليس هناك في أي مكان في الدنيا جدار عنده إرادة: لا للانقضاض ولا للبقاء على وضْعه الذي هو عليه؛ لأن الجدران من الجمادات لا من الكائنات الحية ذوات الإرادة، كذلك فعندنا أيضًا قوله - عز شأنه: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ} [النور: 39] ، ولا يمكن القول أبدًا بأن الآية على معناها الحرفي؛ فالله - سبحانه - لا ينحصِر وجوده في مكان من الأمكنة، بل الكون كله مكانًا وزمانًا وكائنات في قبضته - عز وجل - ومن ثم لا يمكن أن ينحصِر وجوده عند السراب، وهذا من البداهة بمكان؛ لأنه - سبحانه وتعالى - هو المُطلَق الذي لا يحدُّه حد، والطريف أن بعض المفسِّرين الذين رجعت إليهم بعد ذلك قد وجدتُهم يقولون: إنه لو كانت الآية قالت: إن الشمس"كانت تغرُب"في العين فعلًا لكان ثَمَّ سبيل لانتقادها، أما قولها: إن ذا القرنين"وجدها تغرُب"في العين فمعناه أن ذلك هو إدراكه للأمر لا حقيقته الخارجية، ومن هؤلاء البيضاوي، وهذه عبارته،"ولعله بلَغ ساحل المحيط فرآها كذلك؛ إذ لم يكن في مطمح بصره غير الماء، ولذلك قال: وجدها تغرُب، ولم يقل: كانت تغرُب"، وهذا الذي قاله أولئك المفسرون هو الصواب، وفي الكتاب المقدس لدى اليهود والنصارى شيء مِثل ذلك، ومنه هذا الشاهدان:"وأما نوح فوجد نعمة في عيني الرب"؛ (تكوين: 6/ 8) ،"فوجدها ملاك الرب على عين الماء في البرية، على العين التي في طريق شور" (تكوين: 16/ 7) : فالنعمة لا توجد في عين الرب على سبيل الحقيقة، فضلًا عن أن الله لا