المبحث الثالث: رأي ابن رشد في مسألة الرؤية.
المبحث الرابع: رؤية الله عند ابن تيميَّة.
وقد ختمت بحثي هذا بمسألة الرؤية، سائلًا المولى بأسمائه الحسنى أنْ يجعلنا من أهل الفوز بهذا المطلب الأسنى، والنعيم الأعلى، وألاَّ يجعلنا ممَّن حُجِبَ عن الآخرة بالتي هي أدنى.
منهج البحث
لا رَيْبَ أنَّ مَن تأمَّلَ مؤلفات ابن رشد في العقيدة يجدُ أنَّه قد اهتمَّ اهتِمامًا بالِغًا بنقد المتكلِّمين - ولا سيَّما الأشعريَّة - وقد استَنزَف ذلك النقد جُهدًا كبيرًا من طاقته ومجهوده، بحيث لا أُبالِغ إذا قلت: إنَّ الجهد الذي بذَلَه في نقدهم يُعادِل الجهد الذي بذله في تصوير وتحرير آرائه الاعتقاديَّة الخاصَّة؛ ولهذا نجدُه يهتمُّ اهتمامًا كبيرًا بتوضيح رأي المتكلمين في كلِّ مسألةٍ يتعرَّض لذِكرها في كتبه، تمهيدًا لنقد مذهبهم وبيان ما فيه من ضعفٍ وتقصيرٍ.
وفي أثناء مُطالَعتنا لبعض مُصنَّفاته نرى له في مواطن كثيرة كلامًا صالَ فيه وجالَ، ونقَد المتكلمين وخطَّأهم، وقضى عليهم بالخطأ، وألزمَهُم بالتناقُض والاضطراب.
والحقُّ أنَّ ابن رشد قد وقف واستوقف مَن قرأ له على مَزالِق أقدامهم ومحارات عُقولهم وأوهامهم.
ولهذا رأيتُ من الواجب تصوير رأي المتكلِّمين في كلِّ مسألةٍ من المسائل التي نقدَهُم ابن رشد فيها، والرُّجوع في معرفة أقوالهم إلى كتبهم، دُون الاعتِماد في ذلك على ما ذكره ابن رشد أو ابن تيميَّة؛ لأنَّ ذلك أمرٌ تقتضيه النزاهة العلميَّة والمنهج القويم في البحث.
وبعدَ تصوير مذهب المتكلِّمين في المسألة أُبيِّن نقْد ابن رشد لهم، ومذهبه الخاص فيها، ثم أُبيِّن رأي ابن تيميَّة وموقفه من المتكلِّمين ومن ابن رشد على حَدٍّ سواء، ليتَّضح لنا هل كان ابن رشد مُوفَّقًا في نقده المتكلمين، ومصيبًا للحقِّ فيما ذكَره، أم أنَّه جانَبَ الصواب في نقْده وخالَف سنن الحق في رأيه.