قال مقيده عفا الله عنه: فيكون الإمام البيهقي هو الذي أعل الحديث، لا كما ظن الإمام، في قوله:"قد أعله البيهقي تبعًا لغيره بالانقطاع". يعني به: الإمام أحمد بن حنبل. والله أعلم.
والثالث: من أين أتى الإمام البيهقي بهذه الأقوال عن الإمام أحمد، ولم ينقلها من اعتنى بنقل أقواله من أولاده وأصحابه. فإننا لو قلنا بأن المراد بـ (قال الإمام أحمد) ، هو الإمام أحمد بن حنبل، سنجعل الإمام البيهقي من مصادر نقل أقوال الإمام أحمد، وهذا أمر لم ينتشر، ثم إن بين الإمامين مفاوز؛ لأن وفاة الإمام أحمد كانت (سنة 241 هـ) ، وكانت وفاة الإمام البيهقي (سنة 458 هـ) ، فمن أين نقل الإمام البيهقي هذه الأقوال عن الإمام أحمد؟ أي فما هو الطريق إلى ذلك لينظر فيه؟! وبشيء من التفصيل فإن عبارة:"قال الإمام أحمد"، التي في كتب البيهقي ليست كافية في نسبة الأقوال التي تأتي بعدها للإمام أحمد بن حنبل؛ لأن تحتها كلام صريح في نسبته للإمام البيهقي، وآخر لا يستقيم نسبته للإمام أحمد بن حنبل، وثالث نسب بعض أهل العلم بعضًا منه للإمام أحمد، وهذا الأخير لا سبيل إلى قبوله؛ لأن من المتعارف عليه أن أقوال الإمام أحمد نقلت إلينا عن طريق أصحابه وتلامذته بالأسانيد المعروفة إليهم، وفي ذلك يقول ابن بدران في"المدخل إلى مذهب الإمام أحمد" (ص/124) :"فكتب عنه أصحابه من كلامه وفتواه أكثر من ثلاثين سفرًا انتشرت كلها في الآفاق ثم جاء أحمد بن محمد بن هارون أبو بكر الخلال فصرف عنايته إلى جميع علوم أحمد بن حنبل وإلى كتابة ما روي عنه وطاف لأجل ذلك البلاد وسافر للاجتماع بأصحاب أحمد وكتب ما روي عنه بالإسناد وتبع في ذلك طرقه من العلو والنزول وصنف كتبًا في ذلك منها كتاب الجامع وهو في نحو مائتي جزء ولم يقارنه أحد من أصحاب الإمام أحمد في ذلك". وقال ابن القيم في"إعلام الموقعين" (2/ 49) :"ورُويت فتاويه ومسائله وحُدِّثَ بها قرنًا بعد قرن". وهذا عبد العزيز بن جعفر