تماثل الأشباه فلا يوجد تلميذ واحد يماثله ذكاء ورقة حال .. إ .. كما انه فيما بدا له يوقن أن هذا الرجل لم يرأى وجه من وجوه تلاميذ المدرسة قبل هذا الصباح .. حتى يخلط بين تلميذ وآخر يستحق هذا العقاب وبينه، ثم أنه بوجه ما من الوجوه ولسبب باطنى لا يفهمه، يعتقد أن الأمر ليس فيه أدنى خطأ، وانه المقصود فعلا بتلك القسوة .. !
وخطر في ذهنة خاطر عجيب، لما لم يجد تفسيرا واحدا يبدد له سحائب الغموض وحين إمتلأ نور عينية الخابى بأنوار الساعة الذهبية البراقة، انه ربما يكون الوقت قد خانه لعدم وجود ساعة معه، وانه ربما يكون قد تأخر عن الميعاد وانهم وضعوا هذا الرجل في ذاك المكان ليقول له"آسف يا سيدى"وحين يسائله السبب سيجيبه بأنه تأخر وانه ينصحه لكيلا يتكرر هذا التأخير بأن يشترى ساعة"س!!".. اجل فهكذا تلح الاعلانات التى يسمعها - على البعد - في راديو الجيران .. إ .. وربما يكون هذا هو التفسير الوحيد لأناقة هذا الرجل ولما يعنيه العمل الذى أنيط به، فهو مندوب متجول لشركة"س"لا ريب .. ! .. وتساءل"كيف تسمح له المدرسة بذلك؟"ثم كاد أن يصدق تلك الأكذوبة المريحة التى أختلقها له خياله الخصب .. لولا انه - لدهشته - لاحظ ان التلاميذ مازالوا يتوافدون على المدرسة، وان الرجل أهم من ذلك لا يفكر - مجرد تفكير - في إعتراض طريق أحد منهم .. وآلمه هذا الاكتشاف المريع ألما شديدا .. فقد صار يقينا لديه أنه لا أحد غيره المقصود بتلك المعاملة، واكتظ الغيظ في قلبة وأوشك أن يصرخ في وجه الرجل .. بيد أن ملامح هذه اللينه تكفلت بتهدئته فتشجع قليلا وأردف في قوة من يدافع عن حقة:
-سيدى .. هل حقا هذا .. انى لا أكاد ان أصدق .. !
-أنت ممنوع من دخول المدرسة هذا اليوم يا بنى .. !
صاح مشدوها:
-لماذا .. ؟
فأجابة الرجل بهدوئة المثير للغيظ وهو يمط شفتيه في لامبالاه وينظر إلى ساعته وخواتمه في مباهاه:
-معذره .. ليس مسموحا لى أن أقول لك أكثر مما قلت .. !