الصفحة 6 من 73

وقد يُقالُ): إِنَّ الشُّروطَ الأربعةَ إِذا حَصَلَتْ اسْتَلْزَمَتْ حُصولَ العِلْمِ، وهُو كذلك في الغالِبِ، (( و ) )لكنْ قد تَتَخَلَّفُ عنِ البَعْضِ لمانعٍ.

(( كأن تحصل الإفادة ولم يحصل العلم كما إذا أخبر من لم يعتقد ذلك الخبر حصلت الإفادة ولم يحصل العلم ) ).

وقد وَضَحَ بهذا (( التقرير ) )تَعْريفُ المُتواتِرِ.

وخِلافُهُ قدْ يَرِدُ بلا حَصْرٍ [أَيضًا، لكنْ مع فَقْدِ بعضِ الشُّروطِ، أَو مَعَ حَصْرٍ بِما فَوْقَ الاثنيْنِ؛ أي: بثلاثةٍ فصاعِدًا ما لمْ يَجْمَعْ شُروطَ المُتواتِرِ، أو بِهما؛ أي: باثْنَيْنِ فقطْ، أو بواحِدٍ [فقَطْ] .

والمرادُ بقولِنا: (( أَنْ يَردَ باثْنَيْنِ ) ): أنْ لا يَرِدَ بأَقلَّ مِنْهُما، فإِنْ وَرَدَ بأَكْثَرَ في بعضِ المَواضِعِ مِن السَّنَدِ الواحِدِ لا يَضُرُّ، إذ الأقلُّ في هذا [العِلْمِ] يَقْضي على الأكْثَرِ.

فالأوَّلُ: (( و ) ) (( هو ) )المُتواتِرُ، وهو المُفيدُ للعِلْمِ اليَقينِيِّ، فأخرَجَ النَّظريَّ على ما يأْتي تقريرُه، بِشروطِهِ[ (( أي ) )التي تَقَدَّمَتْ.

واليَقينُ: هو الاعتقادُ الجازِمُ المُطابِقُ، وهذا هو المُعْتَمَدُ: أَنْ] الخَبَرَ (( الواحد ) )المُتواتِرَ يُفيدُ العِلْمَ الضَّروريَّ، وهو الذي (( لا ) )يَضْطُّر الإِنْسانُ إليهِ بحيثُ لا يُمْكِنُهُ دفْعُهُ.

وقيلَ: لا يُفيدُ العلمَ إِلاَّ نَظَرِيًّا!

وليس بشيءٍ؛ لأنَّ العِلْم بالتَّواتُرِ حاصِلٌ لمن ليس لهُ أهليَّةُ النَّظرِ كالعامِّيِّ، إذ النَّظرُ: ترتيبُ [أُمورٍ معلومةٍ] أَو مَظْنونةٍ يُتَوَصَّلُ بها إلى عُلومٍ أَو ظُنونٍ، وليس في العامِّيِّ أهلِيَّةُ ذلك، فلو كان نَظَرِيًّا؛ لما حَصَل لهُم.

ولاحَ بهذا التَّقريرِالفرْقُ بين العِلْمِ الضَّرورِيِّ والعِلْمِ النَّظَرِيِّ، [إِذ] الضَّرورِيُّ يُفيدُ العِلْمَ بلا اسْتِدلالٍ، والنَّظريُّ يُفيدُهُ لكنْ مع الاستِدْلالِ على الإِفادةِ، وأنَّ الضَّروريَّ يحْصُلُ لكُلِّ سامعٍ، والنَّظَرِيَّ لا يَحْصُلُ إِلاَّ لِمَنْ فيهِ أهليَّةُ النَّظَرِ.

وإِنَّما أََبْهَمْتُ شُروطَ التواترِفي الأَصْلِ؛ لأنَّهُ على هذهِ الكيفيَّةِ ليسَ مِن مباحِثِ عِلْمِ الإِسْنَادِ، (( وإنما هو من مباحث أصول الفقه ) )إِذ عِلمُ الإِسْناِد يُبْحَثُ فيهِ عن صِحَّةِ الحديثِ أَوْ ضَعْفِهِ؛ لِيُعْمَلَ بِهِ أَو يُتْرَكَ مِن حيثُ صفاتُ الرِّجالِ، وصِيَغُ الأداءِ، والمُتواتِرُ لا يُبْحَثُ عَنْ رجالِهِ، بل يجبُ العملُ بهِ مِن غيرِ بَحْثٍ.

فائدةٌ: [1] ذَكَرَ ابنُ الصَّلاحِ أَنَّ مِثالَ المُتواتِرِ عَلى التَّفسيرِ المُتَقَدِّمِ يَعِزُّ وُجودُهُ؛ إِلاَّ أَنْ يُدَّعَى ذلك في حَديثِ: (( مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ [مُتَعَمِّدًا؛ فلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ] ) ).

وما ادَّعَاهُ مِن العِزَّةِ مَمْنوعٌ، وكذا مَا ادَّعاهُ غيرُهُ مِن العَدَمِ؛ لأنَّ ذلك نَشَأَ عَنْ قِلَّةِ الاطِّلاعِ على كَثْرَةِ

(1) فجر الأحد 16/ 7 / 1415 هـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت