الثانية: أن فروع هذا العلم كثيرة، فقد تكلم العلماء فيه عن أنواع الوقف، من التام والحسن والقبيح، وكذلك الوقف على رؤوس الآي والخلاف فيه، ونحو ذلك.
إلا أن هذه الأحرف لن تتطرق لهذه التقسيمات وهذه التفصيلات، بل الكلام متجه إلى ما يهم الإمام من قواعد جامعات، أو تنبيهات نافعات، والداعي إليها هو ما يلاحظ من خلوّ قراءة كثير من الأئمة من الاهتمام بهذا الموضوع الشريف، بل والزهد فيه أكبر زهد، ففقدت التلاوة عند هؤلاء جمالها، وفارق الأداءَ رونقُه وبهاؤه، وقُطع الكلام المتصل، ووُقِف على ما يؤدي معنى قبيحا، وبدئ من حيث ما يُفهِم باطلًا، وربما شعر ببعض ذلك فاعله، ولم يشعر بأكثره، ولا يراعى في ذلك إلا النفس، فيقف حيث انتهى النفس، ويبدأ مما يلي ذلك.
وقد تناسى هؤلاء - أنار الله بصائرهم - أن حالي تالي القرآن مع السامع كحال الدليل مع المستدلّ، فالمستدلّ يتبع أثر دليله حيثما توجه، ويقف حيث وقف، والتالي لكتاب الله كذلك، فهو بصوته وأدائه ووقوفه يفسر القرآن، ويستخرج المعاني، ويلفت النظر أيان اقتضى الأمر؛ فإذا كان ذلك كذلك، فأنّى لنفوس تعطشت إلى كتاب الله في رمضان عطش الظمآن في يوم صائف إلى الماء القراح، ولربما اقترفت هجرًا طويلًا عن هذا الكتاب الكريم، أنّى لها أن تتدبر كتاب ربها حق التدبر، وتتعقل حق التعقل، والقارئ لا يعينها على ذلك؟!
الثالثة: أن الوقف والابتداء علم وثيق العلاقة بعلم التفسير، وعلم النحو، وعلم البلاغة، فلا يمكن أن يفقه الوقوف حق فقهها من لا يعي مفاتيح هذه العلوم وأسسها، ولكن المأمور المشروع يأتي المسلم منه بما استطاع، وما لا يدرك كله لا يترك كله، وهذا العلم كلما أدار التالي كتاب ربه ذهنه إليه أكثر، وكانت ملازمته له أطول؛ كانت فائدته أتم، وإدراك قواعده أسرع وأحسن.