وكقوله: (ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم) [آل عمران:154] ، فإن جملة (يغشى طائفة منكم) نعت للنعاس، فلا يحسن الوقف قبلها والابتداء بها.
-وكذلك: الحال؛ سواء كانت مفردًا، أو جملة، فلا يحسن فصلها عما قبلها، وربما حسن الوقف قبلها في مواضع، لكن لا يحسن الابتداء بها، ومثال ذلك قوله تعالى: {وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا} [النحل: 91] ؛ فإن جملة (وقد جعلتم الله عليكم كفيلًا) جملة حالية؛ بمعنى: لا تنقضوا الأيمان بعد أن وثقتموها والحال أنكم جعلتم الله فيها كفيلا عليكم [1] .
وأيضًا قوله تعالى: (كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقًا من المؤمنين لكارهون) [الأنفال:5] ؛ فإن جملة (وإن فريقًا ... ) حال؛ أي: كما أخرجك ربك من بيتك بالحق في حال كره من بعض المؤمنين لهذا الخروج.
ولا يخفى أن فصل بعض الأحوال عن أصحابها مما يقلل من وقع المعنى وقوته، وربما جعل جملة الحال لا معنى لها، كما في قوله: (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب) [البقرة:44] ؛ فإن هذا السياق للتشنيع عليهم؛ كيف أنهم يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم في حال أنهم تالون للكتاب عالمون بأحكامه، فإن هذا أعظم شناعة ممن يأمر الناس بالبر وينسى نفسه في حال كونه لا يقرأ الكتاب ولا يدريه.
ثم لو وقف القارئ عند قوله (وتنسون أنفسكم) ، ثم استأنف (وأنتم تتلون الكتاب) لكان هذا إخبارا لهم بأنهم يتلون الكتاب، ومجرد الإخبار بذلك لا يفيد شيئا؛ فإنهم يعلمون أنهم يتلون الكتاب، فعلم ضرورةُ وصلِ الحال بصاحبها في مثل هذه الآية وأمثالها، كقوله: (قل يا أهل الكتاب لِمَ تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجًا وأنتم شهداء) [آل عمران:99] ؛ فإن جملة (وأنتم شهداء) جملة حالية؛ أي: لم تصدون عن سبيل الله من آمن في حال كونكم شاهدين بأن ما آمنوا به حق، وتجدونه في كتبكم؟!
(1) انظر: التفسير الوسيط للواحدي (3/ 80) ، الجدول في إعراب القرآن/ محمود صافي (14/ 376) .