3.إذا كان هذا الدليل صحيحًا وكان مقتضى حكمة الله تعالى ضرورة إرسال الأنبياء فإن اللازمة المنطقية لذلك أن يرسل الله تعالى في كل عصر مئات آلاف الأنبياء على نحو يكون فيه في كل منطقة من مناطق الكرة الأرضية نبيٌّ مرسل، لكي يستطيع جميع البشر في كل نقاط العالم أن يستفيدوا بشكل مباشر ومن غير واسطة من هداية الأنبياء وإرشاداتهم. هذا في حين أن مثل هذا الأمر لم يقع في أي عصر من العصور. أفلا يؤدي ذلك بنا - استنادًا إلى مقدمات الدليل المذكور - إلى أن الله تعالى عمل في كثير من الحالات خلافًا للحكمة وارتكب نقضًا لغرضه من الخلق (والعياذ بالله) ؟؟
وقد أجاب بعض علماء الشيعة على هذا الإشكال على النحو التالي:
«أولًا: إن ما قيل بأن الأنبياء لم يبعثوا إلا في منطقة خاصَّةٍ ليس بصحيح، لأن القرآن الكريم ذاته يصرِّح بأنه مَا مِنْ أُمَّةٍ إِلا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ... ثانيًا: تقتضي حكمة الله أن يكون بين الله والإنسان طريقٌ يمكن للبشر من خلاله أن يعرفوا الحقائق اللازمة لمعرفة سبيل الكمال. لكن حكمة الله لا تقتضي بالضرورة أن يستفيد جميع الناس حتمًا من ذلك الطريق. بل ربما يوجد أناس لا يريدون الاستفادة من هذا الطريق وعدم استفادتهم هذه إنما ترجع إلى سوء اختيارهم هم، بل قد يوجد أشخاص علاوة على عدم رغبتهم بالاستفادة من هذا الطريق يمنعون الآخرين من الاستفادة منه... وفي مثل هذه الحالات يقع إثم الحرمان من طريق النبوَّة على عاتق هؤلاء الذين يصدون عن سبيل الله، ولا تقصير لِلَّهِ في هذا المجال» [1] .
(1) مصباح يزدي، محمد تقي، «راهنماشناسى» (أي معرفة الدليل المرشد) ، ص46.