2.لو فرضنا الآن أننا أدركنا بالدليل العقلي المسبق غرض الله من خلق الإنسان ووصلنا أيضًا إلى النتيجة التي تقول إنه لا بد للإنسان من سلوك طريقٍ خاصٍّ والإيمان بحقائق معيَّنة والعمل بواجبات محدَّدة كي يصل إلى الكمال المعنوي، ولا يمكن لعقل الإنسان وحده أن يكتشف أيًَّا من تلك الحقائق والواجبات، هذا من جهة، ومن الجهة الأخرى: إن سعادة الإنسان وكماله المعنوي رهينان حصرًا باكتشاف ذلك الطريق وسلوكه (أؤكِّد ثانيةً أن هذه الأمور نأخذها على أنها مفترضة مع أن أيًَّا منها لا يمكن إثباته) ؛ فهل يمكننا - بافتراض هذه المقدمات - أن نستنتج ضرورة بعث الأنبياء؟ إن الإجابة هي النفي أيضًا، لأن ما يمكننا أن نستنتجه من هذه الفرضيات والمقدمات ليس سوى أن هداية الله للإنسان أمرٌ ضروريٌّ، أي أن الله تعالى بحكمته لا بد أن يساعد الإنسان في معرفة الطريق والهدف، لكن الهداية يمكنها أن تتم عبر طرق مختلفة وإرسال الأنبياء هو واحد فقط من تلك الطرق وليس هو الطريق الأوحد. اللهُ تعالى يمكن أن يوصل الناس إلى الكمال المطلوب من خلال طرق أخرى مثل الهداية الباطنية، كما هدى الأنبياء بهذه الطريقة (إذْ إنه لم يرسل أنبياء لهداية الأنبياء) وهذا يبين أن دعوى ضرورة النبوَّة لهداية الناس دعوة غير موزونة وعجولة. إن القائلين بضرورة النبوَّة إما أنهم لا يعرفون معنى الضرورة أو يعتبرون الله غير قادر على هداية الناس باطنيًا.