1.صحيح أن الله تعالى - بدليل كونه حكيمًا - لا يقوم بعمل عبثي، ولكن كيف يمكننا أن نكتشف غرضه من خلق الإنسان بطريقة عقلية، ثم نعممه على جميع البشر مدعين أنه لا بد أن يكون الناس جميعًا قد خلقوا لأجل هذا الغرض؟ لا ننسَ أن أدلة إثبات ضرورة بعث الأنبياء ونصب الأئمة المعصومين أدلة عقلية وأدلة مقدماتية أي سابقة، بمعنى أنه يجب أن تكون مقدماتها قد ثبتت عقليًا مسبقًا، وثانيًا أن تستطيع أن توجد في ذهن الإنسان ضرورة وقوع حادثة قبل وقوعها. إن الأدلة التي ندرسها ونبحثها يجب أن تكون على نحو يمكن إقامته قبل بعث الأنبياء وإنزال الكتب السماوية والشرائع الإلهية. لو فرضنا أننا نعيش في زمان (أو مكان) لم يرسل الله تعالى فيه بعدُ أيَّ نبيٍّ إلى الناس، أو أننا لم نطَّلع بعد على بعثة أي نبيٍّ من الأنبياء، ففي مثل تلك البيئة نحن لا نعلم إلا أن خالقنا هو الله الأحد وأن الله حكيمٌ ولا يقوم بعمل عبثي. فالآن كيف يمكننا أن نفهم من خلال تحليل عقلي صرف ماهية غرض الله من خلق البشر، حتى نستطيع بعد ذلك أن نحكم أنه لأجل تحقيق ذلك الغرض لا بد من إرسال الأنبياء؟؟ إن قليلًا من التأمل في محتوى هذا الاستدلال يبين أنه يعتمد على افتراضين مسبقين كامنين وراء مقدماته، وهما أنه قبل إرسال الرسل وإنزال الكتب السماوية ودون الاستفادة من تعاليم الأنبياء يمكننا من خلال التحليل العقلي المحض أن نصل إلى هذه النتيجة التي تقول: أولًا: الإنسان إنما خلق لأجل طيِّ طريقٍ خاصٍّ والوصول إلى هدف معيَّن. وثانيًا: أن ذلك الطريق الخاص عبارة عن الإيمان بحقائق خاصة والإتيان بواجبات وآداب معيَّنة يعجز عقلنا البشري عن معرفتها. إن الافتراض المسبق الأول غير قابل للإثبات والافتراض المسبق الثاني هو عين الدعوى، مما يعني إن الاستدلال المذكور يشتمل على الدَّوْر ومصادرة المطلوب.