الصفحة 2 من 149

لكننا لا نستطيع أن نرصد حركة ذلك التطور على نحو دقيق؛ فمؤلفات متكلميهم في عصر الأئمة لم يبقَ منها في أغلب الأحيان إلا مجرد عناوين تذكر في كتب التراجم والرجال، وإن بقي من ذكر المناظرات والآراء قسط في كتب التاريخ والأدب والحديث والأمالي وبعض المؤلفات الكلامية المتأخرة؛ خاصة فيما يتعلق بموضوع الإمامة. ويضاف إلى ذلك أن المعلومات المتاحة عن أكثر أولئك المتكلمين القدامى في كتب الفرق والكلام عند أهل السنة تَنسُبُهم إلى المُغالاة في التشبيه والتجسيم والجبر [1] ، وهذا خلاف المذهب الثابت لمتكلمي الاثنا عشرية في مؤلفاتهم الباقية بين أيدينا ابتداء من القرن الرابع الهجري الذي أُعلِنت الغَيبةُ الكبرى قرب نهاية عَقْدِه الثالث بوفاة آخر السفراء أبي الحسن علي بن محمد السَّمُرِيّ (المتوفى في ذي القعدة 329هـ) .

(1) - بل نجد ما يؤكد ذلك في بعض المصادر الاثنا عشرية نفسها خلال القرن الرابع الهجري؛ فالشيخ الصدوق محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (تـ381هـ) صرح في بداية كتابه التوحيد ـ ص 2، 3 بأن السبب الذي دعاه إلى تأليفه هو أن بعض مخالفيهم اتهموهم بالتشبيه والجبر لما وجدوه في كتبهم من الأخبار التي جهلوا معرفة تفسيرها؛ فوضعوها في غير مواضعها، وقبحوا بذلك مذهب الإمامية. وأنه إنما أقدم على تأليف كتابه لنفي التشبيه والجبر عن أصل المذهب؛ لكنه لم يعمد إلى تأويل نصوص أسلافه المؤدية للتشبيه والتجسيم، ولم يكذب نسبة ذلك إليهم درءا للتهمة عن متكلمي المذهب المتقدمين من أصحاب الأئمة، وإنما أورد مجموعة من الروايات تثبت هذه الآراء لمثل هشام بن الحكم، وهشام بن سالم الجواليقي، وصاحب الطاق محمد بن علي بن النعمان، والميثمي علي بن إسماعيل بن شعيب بن ميثم التمار. ولقد روى الشيخ الصدوق ما يفيد إنكار الأئمة عليهم، والبراءة منهم وممن يثبت لله شبه الخلق .. راجع كتاب التوحيد ـ ص 56: 58، 61، 68.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت