الصفحة 1 من 149

نظرات في الفكر الكلامي لدى الشيعة الاثنا عشرية

قبل بداية فترة الغيبة الكبرى

د. مصعب الخير إدريس السيد مصطفى الإدريسي

أستاذ العقيدة والفلسفة المساعد ـ كلية أصول الدين

الجامعة الإسلامية العالمية بإسلام آباد ـ باكستان

توطئة:

الحمد لله المتوحد بجلال ذاته وكمال صفاته، المتقدس في نعوت الجبروت عن النقص وسماته. والصلاة والسلام على نبيه سيدنا محمد المؤيد بساطع حججه وواضح بيناته، وعلى آله عترة النبي وذرياته، والرضا على أصحابه هداة طريق الحق وحماته.

وبعد؛ فإنه من صريح الحق أن نُقِرَّ بأنَّ مؤلفات الشيعة الاثنا عشرية الباقية بين أيدينا مما ألَّفُوه بعد ابتداء عصر الغيبة الكبرى في القرنين الرابع والخامس الهجريين، تؤكد أنها نتاجُ تطورِ جُهودٍ قديمةٍ في التأليف والاستدلال والمناظرة والخوض في جليل الكلام ودقيقه أو لطيفه [1] ،

(1) - نقل الدكتور عبد الرحمن بدوي في كتابه مذاهب الإسلاميين ـ 1/ 13 عن أبي حيان التوحيدي (تـ400هـ) من كتابه «ثمرات العلوم» في تعريف علم الكلام: «والاعتبار فيه ينقسم بين دقيق ينفرد به العقل، وبين جليل يُفزَعُ إلى كتاب الله ـ تعالى ـ فيه» .

أقول: جليل الكلام يكون البحث فيه عن أصول الدين والعقائد والمسائل الجلية المُصَرَّحِ بها في القرآن والسنة من الإلهيات والنبوات والسمعيات، وفق الأدلة النقلية، والأدلة العقلية الظاهرة المشار إلى أصولها في الكتاب والسنة. أما دقيق الكلام ولطيفه؛ فالبحث فيه حول أمور لا تدخل تحت المسائل الأصلية، وإن كان لها بها ارتباط ومناسبة تجعلها بمثابة مقدمات النظر فيها؛ مثل: الكلام عن الأجسام والجواهر والأعراض، والحركة والسكون والطفرة، والمداخلة والمجاورة والكمون، والزمان والمكان، والخلاء والملاء، والمعلوم والمجهول، والموجود والمعدوم، وفناء الأشياء وبقائها، والكلام في التولد، وفي الإنسان، وفي المعارف، وفي المعاني والأحوال، وفي العلاقة بين الصفة والموصوف، والاسم والمسمى ... إلى غير ذلك من المسائل النظرية الدقيقة التي بحث عنها الفلاسفة، وراج الكلام عنها منذ بدأ عصر الترجمة، وأبدى المتكلمون آراءهم ونظرياتهم فيها، وبنوا عليها كلاما في فروع المسائل الأصلية؛ فأكثر لطيف الكلام من أبواب الفلسفة الطبيعية المتعلقة بالعالم الذي هو فعل الله وخلقه عند المتكلمين المسلمين، ومعرفةُ الفعل وأحواله من طرق معرفةِ الفاعل وصفاته، ومعرفةُ الشاهد من سُبل معرفة الغائب؛ ومن ثَمَّ التحق باللطيف الكلامُ عن المعرفة وطرق الاستدلال ..

وقد بالغ أبو الحسين عبد الرحيم بن محمد الخياط (تـ300هـ) واشتط في الدعوى بغير حق ولا برهان، حينما ذكر طرفا من تلك المسائل في كتابه الانتصار ـ ص 39 وقال عقبها: «وهذه أبواب من غامض الكلام ولطيفه مما لم يخطر على بال الرافضة ولا يبلغ إليه، ومما يدل على ذلك أنك لا تجد على أحد من المعتزلة في هذه الأبواب التي ذكرتها حرفا واحدا إلا لمن خالفه من المعتزلة، فأما لغير المعتزلة؛ فلا تجد حرفا واحدا في هذه الأبواب إلا لإنسان سرق كلاما من كلام المعتزلة فأضافه لنفسه» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت