ولقد ثبت لدينا فيما سبق أن في أصحاب علي بالعراق من كانوا يعدونه في الفضل بعد الرسول ــ صلى الله عليه وآله وسلم ــ حتى أخبرهم وبيَّنَ لهم، وقد وجدنا في الرواية أن شريك بن عبد الله كان يقول: خير هذه الأمة أبو بكر وعمر، وهما خير من علي، ولو قلت غير هذا ما كنت من شيعة علي؛ لأنه قد قام على هذه الأعواد فقال: ألا إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر. فنكذبه؟! والله ما كان كذَّابا [1] . وربما بقي فيهم من لم يبلغه البيان، أو من بلغه ولم يقدر على التزام ما جاء فيه لالتباس التفضيل بالمحبة وعلاقة ذلك باستحقاق قيادة الأمة؛ فقد وجد في الرواية أيضا أن هشام بن الحكم المتكلم الشيعي أقر بأنه أدرك الشيعة في الصدر الأول وهم يتولون أبا بكر وعمر وعثمان ويصوبونهم، ويقولون: هؤلاء ما دفعوا أمير المؤمنين ]عليا [ عن حقه ومقامه، وإنما دفعه المنافقون الذين كان القرآن يهتف بهم، فنظر هؤلاء فإذا ليس أحدٌ أحقَّ بالإمامة بعد علي منهم؛ فقاموا ذلك المقام بحق. قال هشام: ومنهم من قال: لما رأى الوصِيُّ عليُّ بن أبي طالب المنافقين قد أزالوه عن موضعه، قدَّمَ أبا بكر واستخلفه ليكون بمكانه إلى أن يتمكن فيزيله[2] .
إن هذا اللون من التشيع هو الأعمق جذورا في تاريخ الإسلام، وأصحابه هم شيعة علي ــ كرم الله وجهه ــ الأوائل الذين عرفوا بهذه التسمية وتميزوا بها عن غيرهم.
(1) - نقله القاضي عبد الجبار عن أبي القاسم البلخي: تثبيت دلائل النبوة ـ 1/ 549. ثم نقلَه عن القاضي شيخُ الإسلام ابنُ تيمية في كتابه: منهاج السنة النبوية ـ 1/ 13، 14.
(2) - القاضي عبد الجبار: السابق ـ 1/ 242. وقد نقل القاضي ذلك عن كتاب الإمامة لابن الراوندي.