ولم يمت عليه السلام حتى ترك أصحابه الكرام رضي الله تعالى عنهم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها؛ يؤمنون بالإسلام عن بيّنه، ويرفضون الجاهلية عن دراية، ويدعون إلى الله على بصيرة، ويكفرون بالطاغوت على علم، ولا يبتغون غير الإسلام دينا.
عز عليهم دينهم فهانت في سبيله دنياهم، وغلت عندهم عقيدتهم فرخصت من أجلها أنفسهم، فرضوان الله تعالى عنهم.
ولقد كان خيرهم وأفضلَهم الصديق أبو بكر رضي الله تعالى عنه، الذي تولى الخلافة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بإجماع من الصحابة الذين ارتضوه إمامًا وقائدًا لهم.
وكيف لا يقبلون ذلك! ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي أرشدهم إلى مبايعته، وذلك حين عيّنه إمامًا يصلي بهم في مرض موته.
فتولى الصديق رضي الله عنه أمرهم. وسار فيهم سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وسدد وقارب حتى قبضه الله إليه راضيًا عنه.
ثم بايع الناس بعده عمر الفاروق رضي الله عنه، الذي سار في الناس بسيرة صاحبيه، وترسم خطاهما.
ولقد أزداد المسلمون عزة في أيام خلافته، فحطمت سيوفهم عروش الطغيان، وأطفأت نار المجوس وعبدة الأوثان، وأقضّت مضاجعهم، وجعلتهم يحسبون للمسلمين ألف حساب.
ولم يقف أعداء الإسلام من هذا وقفة المتفرج، وأرادوا الثأر لأديانهم وأوطانهم، ولكنهم أدركوا أن لا طاقة لهم بحرب المسلمين بالسيف والسنان، فعدلوا عن ذلك إلى الكيد والمكر والخديعة وبث الفتن في صفوف المسلمين، فتجمع أعداء هذه الأمة الحاقدون عليها، والطامعون فيها، والخائفون منها، ليكيدوا لها كيدًا، ويمكروا بها مكرًا، ما بين يهودي فاجر، وصليبي ماكر، ومجوسي كافر، فسلكوا في سبيل النيل من هذا الدين مسالك مختلفة، ظهر ما فيها من حقد دفين على الإسلام والمسلمين في بعض الأحيان، وخفي ما تحمله من سموم مهلكة في أحيان كثيرة.