الصفحة 5 من 31

ومنذ أن أدخل الشاه إسماعيل الصفوي العَجَم كُلهم في المذهبِ الشيعي وحتى كتابةِ هذه السطور، فإن للزعامة المذهبيةِ الشيعية نفوذا واسعا وكبيرا في إيران، ويحظى باحترام عظيم من قبل الملوك والحكام، وعلى الرغم من أن العلاقات بين الزعامة المذهبية والزعامة السياسية كانت على خير ما يرام عبر التاريخ، إلا أنه كان يَحدث في بعض الأحيان صراعٌ بينهما ينتهي بانتصار أحدهما على الآخر؛ لكن منذ أن جعل الشاه إسماعيل من"ولايةَ الفقية"منصبا يَعلو على مقام الشاه وكلِّ المناصب الأخرى، لم يَحدث قطُّ أن فقيها من فقهاء الشيعة رشّح نفسه للحكم مباشرة، فرسخ بتلك الحركة الذكية عُرفا قوميا، ونهجا سياسيا للعجم، أوقف به التنافس على زعامة القبيلة الآق قيونلي التي ينتمي إليها، كما أوقف ثقافة استلاب الحكم بالانتصارات العسكرية المنتشرة بين قبائل الغزاة التركمان؛ ولتدعيم أركان هذا العُرف وترسيخ نهجه في الأمة الفارسية كلها انقلبت إمبراطوريته إلى إستراتيجية القوةِ في الدعوة إلى التشييع الديموغرافي وفرض وجودٍ مذهبي على حساب المذاهب الأخرى المنتشرة في أرجاء إيران آنذاك، وبقيت هذه المنهجية حتى بعد اختطاف المرجعية العربية في النجف، وإعادة تأهيل الفكر والمجتمع الشيعي فارسيا.

والحقيقة أن هذه الإستراتيجية التي وضعت المنصب الديني في رتبة متقدمة على المنصب السياسي، هي التي ضمنت استمرارية أجندة التشيُّع بصِيغته الفارسية الصفوية، فتعاقبت الحكومات السياسية -يمينا ويسارا-بروحها؛ إذ السلطة الفعلية على الضمير الجماعي للشعب الإيراني بيد مؤسسة المرجع الأعلى؛ التي تتخذ من قُم عاصمة لها، وهي الإستراتيجية التي أتت حديثا بالثورة الخمينية إلى سدة الحكم وإعادة الصفوية الجديدة بعد قرون مضت. [6]

الجمهورية الإسلامية الصفوية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت