في اللحظات الأخيرة، وهو يودع ابني الصغير الذي تعلّق به تعلّق الفرخ بأمه، ويحتضنه ويقبله، شعرت بأنه قد تذكر ابنه الصغير"نويد"وقد تحلقت الدموع في عينيه، وانقطعت نبرات صوته، ولكنه كان عزيزًا في نفسه، معتزا بإيمانه، فكان يتمالك نفسه ويتظاهر بالفرح والسرور، ويتصنع البسمة تلو الأخرى لئلا يعرف أحد بما يجري في خلجات صدره ، وما يكنه فؤاده.
ولا أنسى أبدًا تلك اللحظات الأخيرة التي قضيناها معًا، ولا ذلك البيت الذي كان يردده بصوته الحزين، يعبر فيه عن آلام الفراق، فكان يردد [1] :
تفكيري الدائم بالنهار، وكلامي طوال الليل ... لماذا أنا غافل عن أحوال قلبي
وكلما اشتكى من الآلام والمصائب ـ وقلما اشتكى مع كثرتها وشدتها ـ كنت أصبره وأقوي عزيمته بهذه الآية التي كانت إكسير آلامه: { لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا } [التوبة: 40] ثم ودعته وعلى شفتي قوله تعالى: { حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ } [آل عمران:173] .
ولكن أين رحل؟ وفي أي الديار حل؟ وما صار مصيره؟
حقًا ! لولا القلم، ولولا الكلمات الجميلة والتعبير الصادق الأمين، ولولا الكتابة، لما عرفنا عن سير الشخصيات العظمية وأحوالهم، كهذه الشخصية الفريدة التي نحن نتحدث عنها ونقرأ سيرتها.
فيا أيها القلم! دعني أقبل يديك الجميلتين، وأشكر المولى عزوجل الذي أوجدك وخلقك لمنفعة عباده ، وأقسم بك تعظيمًا وتشريفًا لمقامك: { نَ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ } [القلم: 1- 2] .
إن في القراءة والمطالعة والتفكر في حياة الشخصيات العظيمة من السابقين ، دروس وعبر للاحقين، ونماذج وقدوة لهم ليقتدوا بها.
(1) روزها فكر من اين است همه شب سخنم كه چرا غافل از احوال دل خويشتنم