-ثم إن أبا بكر وعمر وعثمان كتموا السنّة، ومنعوا وعاقبوا كل من يتجرأ على روايتها وتدوينها، فحالوا بينها وبين الناس صرفًا لهم - بزعم الشيعة - عن حق عليّ والأئمة الذي تضمنته. وعليّ يرى ذلك كله - وبأمِّ عينيه - لكنه يسكت فلا ينبس ببنت شفة.
-ليس هذا فحسب، بل هم - الصحابة - يتلاعبون بالأحكام الشرعية؛ يحلون ما يشاءون، ويحرّمون ما يشاؤون، ويحكمون بما يشاءون، ويضربون بالنصوص عرض الحائط، ويجتهدون في موضع النص، ويعملون رأيهم في كل شيء، ويخالفون في كل شيء، ويدفعون كل شيء؛ يفعلون هذا كلّه وعلى مرأى ومسمع من عليّ، ثم لا نراه يحرّك ساكنًا، لا آمرًا بمعروف، ولا ناهيًا عن منكر.
-وعليّ لم يكتف بالسكوت والصمت وعدم الإنكار لهذا كله؛ بل ساير الصحابة، وتخلى عن سفينته - سفينة النجاة - فسدل دونها ثوبًا، وطوى عنها كشحًا، وامتطى سفينتهم وساير موجاتهم؛ يميل حيث يميلون ويسير حيث يسيرون؛ لم يتخلف عنهم وعن ركبهم ومركبهم؛ يجاملهم ويداهنهم ولا يظهر منه إلا الموافقة لهم ومتابعتهم حذوَ القذّة بالقذّة، شبرًا بشبر وذراعًا بذراع، لا بل أبقى سيرته هذه على وتيرتها وفي نفس مساراتها ومنحنياتها؛ حتى حين أفضت الأمور إليه وانتقلت إليه، إذ لم يخرج عن خطهم ومسيرتهم قِيدَ أنملة؛ بل بقي تابعًا أمينًا وجنديًا مطيعًا، وهو القائل:"ولعلّي أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم".
وهكذا كان - رضي الله عنه - إلى أن أفضى إلى ربِّه - عز وجل - لم يخالف في ذلك ولم يتخالف، ولم يفارق - فيه - ولم يتفارق.