ثم حدث بعد بدعة الخوارج بدعُ التشيُّع ( [3] ) وتتابع خروج الفرق كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في عدة أحاديث، منها ما رواه الإمام أحمد رحمه الله عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (افترقت اليهودُ على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أُمتي على ثلاث وسبعين فرقة) ( [4] ) ، وقد خرج التشيُّع من الكوفة ( [5] ) ، ولذلك جاء في أخبار الشيعة بأنه لم يقبل من دعوتهم من أمصار المسلمين إلا الكوفة ( [6] ) ، ثم انتشر بعد ذلك في غيرها، كما خرج الإرجاء أيضًا من الكوفة، وظهر القدر، والاعتزال، والنسك الفاسد من البصرة، وظهر التجهُّم من ناحية خُراسان.
وكان ظهورُ هذه البدع بحسب البُعد عن الدار النبوية ( [7] ) ؛ لأن البدعة لا تنمو وتنتشر إلا في ظل الجهل، وغيبة أهل العلم والإيمان؛ ولذلك قال الإمام أيوب السختياني رحمه الله تعالى: (من سعادة الحدث والأعجمي أن يوفقهما الله للعالم من أهل السنة) ( [8] ) ؛ وذلك لسرعة تأثر هؤلاء بأعاصير الفتنة والبدعة لضعف قدرتهم على معرفة ضلالها، واكتشاف عوارها؛ ولذا فإنَّ خير منهج لمقاومة البدعة، ودرء الفرقة، هو نشر السنة بين الناس، وبين ضلال الخارجين عنها، ولذلك نهض أئمة السنة بهذا الأمر، وبيّنوا حال أهل البدعة، وردوا شبهاتهم، كما فعل الإمام أحمد في الرد على الزنادقة والجهمية، والإمام البخاري في الرد على الجهمية، وابن قتيبة في الرد على الجهمية والمشبهة، والدارمي في الرد على بشر المرسي وغيرهم.