فلما كان آخر نهار السبت بعث الرجال إلى الحسين u ليحضر فيبايع الوليد ليزيد بن معاوية فقال لهم الحسين أصبحوا ثم ترون ونرى فكفوا تلك الليلة عنه ولم يلحوا عليه فخرج u من تحت ليلة وهي ليلة الأحد ليومين بقيا من رجب متوجها نحو مكة ومعه بنوه وبنو أخيه وإخوته وجل أهل بيته إلا محمد بن الحنفية رحمه الله فإنه لما علم عزمه على الخروج عن المدينة لم يدر أين يتوجه فقال له: يا أخي أنت أحب الناس إلي وأعزهم علي ولست أدخر النصيحة لأحد من الخلق إلا لك وأنت أحق بها تنح ببيعتك عن يزيد بن معاوية وعن الأمصار ما استطعت ثم ابعث رسلك إلى الناس ثم ادعهم إلى نفسك فإن بايعك الناس وبايعوا لك حمدت الله على ذلك، وإن اجتمع الناس على غيرك لم ينقص الله بذلك دينك ولا عقلك ولا تذهب به مروءتك ولا فضلك، إني أخاف عليك أن تدخل مصرا من هذه الأمصار فيختلف الناس بينهم فمنهم طائفة معك وأخرى عليك فيقتتلون فتكون إذا لأول الأسنة غرضا فإذا خير هذه الأمة كلها نفسا وأبا وأما أضيعها دما وأذلها أهلا.
فقال له الحسين u: فأين أنزل يا أخي قال انزل مكة فإن اطمأنت بك الدار بها فستنل ذلك وإن نبت بك لحقت بالرمال وشعف الجبال وخرجت من بلد إلى بلد حتى تنظر إلى ما يصير أمر الناس فإنك أصوب ما تكون رأيا حين تستقبل الأمر استقبالا. فقال u: يا أخي قد نصحت وأشفقت وأرجو أن يكون رأيك سديدا موفقا، وأنا عازم على الخروج إلى مكة وقد تهيأت لذلك أنا وإخوتي وبنو أخي وشيعتي وأمرهم أمري ورأيهم رأيي، وأما أنت يا أخي فلا عليك أن تقيم بالمدينة فتكون لي عينا لا تخفي عني شيئا من أمورهم.