إنها ظاهرة طبيعية وحقيقة تاريخية على مرِّ القرون والأجيال يشهد بذلك تاريخ ازدهار الأسر الرومية، والبزنطية، والساسانية، والكيانية، وأسرتي (سورج بنسي) و (جندر بنسي) ( [1] ) . أما إذا لم يتحقق قيام دولة قبلية أو عالمية لسبب قاسر، فأقل درجة لدى هؤلاء المؤسسين للحكومات، والفاتحين والغزاة، وزعماء السياسة- الذين تم لهم ألنجاح في التحركات التي قاموا بها- أن يمتلكوا العزة والثراء الفاحش وأسباب التنعم والترف الموسعة، فهم يتقلبون في أعطاف النعيم، ويتأرجحون في أراجيح الذهب والفضة، وشأنهم في ذلك شأن أسد في الغابة يفترس لنفسه، ويأكل من بقايا صيده مئات من الوحوش، إنَّ قصة النعيم والترف الذي تقلَّبت في أعطافه أسر المتربعين على عروش الحكم في رومة والدولة الكيانية، تشبه أساطير خيالية وقصصًا جنية، ولولا أنَّ وراءها شهاداتٍ تاريخيةً لما صدقها العقل ( [2] ) ، ويمكن تقدير ذلك من تلك الأبهة العظيمة التي وجدت في بلاط كسرى، وبالتفاصيل المدهشة التي يتحدث عنها المؤرخون عن (فرش بهار) ( [3] ) وعن الأسر المالكة في الدول الرومية والفارسية والهندية، وعن أساليب الحياة لأتباعهم وبذخهم بذخًا لا يتصور.
بالعكس من ذلك فإنَّ الرسول المبعوث من الله لا يؤسِّس مملكة وراثية، ولا يقوم بتوفير فرص وإمكانيات التنعم والترف التي تمتد إلى مدة طويلة لأفراد أسرته، ولا يهتم بالحدب على مصالحهم لكي يتمكنوا بفضل ذلك من العيش في رفاهية وتفرغ من الهموم ومتاعب الحياة، بخلاف طبقات الأمة الأخرى، بل بالعكس من ذلك يعيش أفراد أسرته- في حياته وبعد مماته- حياةَ زهدٍ وتقشّف، وقناعة وإيثار، وتنازل عن كثير من أسباب الرفاهية والرخاء، ويعتمدون على مجهوداتهم وكفاءاتهم الذاتية، دون أن يعيشوا مترفين متنعمين على حساب غيرهم، مثل أُسَر البراهمة عند الهنادك، (والأكليروس) (Glergy- رجال الدين المسيحي) أو كأي جنس مقدس ( [4] ) .