ويجب أن يتحقق كل ذلك في حياة الرسول وعلى إثر وفاته، حيث إنَّ الدين الذي لا يستطيع أن يقدِّم أمام العالم عددًا وجيهًا من نماذج عملية ناجحة بَنَّاءة، ومجتمعًا مثاليًا في أيام الداعي وحامل رسالته الأول، لا يعتبر ناجحًا، كما أنَّ الشجرة التي لم تؤت ثمارها اليانعة الحلوة، ولم تنفتح أزهارها العطرة الجميلة، أيام شبابها وفي موسم ربيعها -وهو عهد النبوة- لا تعتبر شجرةً مثمرةً سليمة، وكيف يسوغ لدعاة هذه الدعوة والدين وممثليهما الذين ظهروا بعد أن مضى على عهد النبوة زمن طويل، أن يوجهوا إلى الجيل المعاصر والعالم الحاضر دعوة إلى الإيمان والعمل والدخول في السلم كافة والتغيير الكامل في الحياة، وهم عاجزون-في ضوء مذهب الشيعة وأقاويلهم- عن تقديم نتائج حية باهرة للألباب، مسلَّمة عند المؤرخين، للمجهودات التي بذلت في العهد الأول وفي فجر تاريخه، في سبيل إبراز أمة جديدة، وإنشاء جيل مثالي، يمثل التعاليم النبوية أصدق تمثيل ويبرهن على تأثيرها ونجاحها.
الشرط الثاني: ميزة الرسول صلى الله عليه وسلم عن مؤسسي الحكومات والقادة الماديين حول تأسيس المملكة الوراثية وازدهارها:
كذلك من البدهيات اللازمة أن يكون هذا الداعي الأول والمرسل من الله وحامل رسالته، متميزًا عن مؤسسي الحكومات والفاتحين والغزاة والقادة السياسيين، والزعماء الماديين، في طبيعته وأذواقه وسلوكه وعمله ومقاصده ونتائجه تميزًا واضحًا، ويكون هنالك تناقض بينه وبين هذه الطائفة.
إنَّ محور الجهود التي يبذلها مؤسسو الحكومات وفاتحو البلدان، وزعماء العالم، من أصحاب الطموح ومجربي الحظوظ، وهدفهم الأعلى -أو النتيجة الحتمية الطبيعية على أقل تقدير- إنما هو قيام مملكة خاصة، وتأسيس حكومة وراثية.