وكذلك يجب أن تتحقق هذه النتيجة الخارقة للعادة، من غير اعتماد على الأساليب والوسائل التربوية والإعلامية التي تستخدمها طبقة الحكماء والمثقفين، ومعلمي الأخلاق وخبراء التعليم والقادة السياسيين، والتي تعتمد عليها المؤسسات التربوية والحكومات الذكية، مثل عملية تدوين العلوم والفنون الواسعة، وتأليف الكتب البارعة، وإلقاء الخطب الساحرة، وإنشاء المدارس الكثيرة، واستخدام الأدب والشعر، وتجسيد الحقائق والمعاني لغرس الفكرة وتحبيبها وترسيخها، ومنح الجوائز والمناصب والوظائف العالية، وما إلى ذلك من وسائل مؤثرة، وأساليب حكيمة.
ثم إنَّ المقارنة بين تربية ذلك النبي وصحبته -الذي كان أميًّا محضًا بعيدًا عن جميع ملابسات العلم، مضافًا إلى ذلك تفرده بمشكلات ومعوِّقات، وفقد وسائل، لا يمنى به غالب المشتغلين بتعليم شعوبهم وتربيتها- وبين تربية المعلمين والقادة العاديين، تدل دلالةً واضحة على الفرق الهائل بين جنسَيْ التأثيرين والانقلابين، وعلى تباين مصدريهما، فإنَّ ما يتحقق من التحوّل في العقائد والميول، والسيرة والأخلاق، في ظل تعاليم الرسول وفي أحضانه، ينبثق من رعاية الله وتأييده الغيبي ولا يمكن أن يعبر عنه بكلمة غير (نور النبوة) و (بركات الصحبة) .
إن الذين يسعدون بتربية الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبته، إنما تتحلى حياتهم بالصلة الوثيقة بالله، وبالإخلاص والعبودية والتواضع والإيثار وهضم النفس، وذوق العبادة، والانصراف عن حطام الدنيا والاهتمام بالآخرة، ومحاسبة النفس محاسبة دقيقة أمينة، والاستقامة على الدين، وهي الذروة الإيمانية والخلقية التي لا سبيل إليها ولا مطمع فيها للذين يتلقون التربية على أيدي الحكماء والفلاسفة، وخبراء التعليم ومعلمي الأخلاق.
ولقد صَوَّر القرآن الكريم هذه التربيةَ النبويةَ والتأثير الثوري الجذري الذي يَتمًّ على يد الرسول عليه الصلاة، السلام، ففي سورة الجمعة: