وأما ما جاء في استدلالكم بقول النبي عليه السلام لعلي:"أنت مني بمنزلة هارون من موسى"أنه صريح بالإستخلاف حيث أن هارون كان وزيرا لموسى ليشد به أزره، والوزير أولى بالإستخلاف. فهذا أضعف إستدلالاتكم في هذا الباب، لأن الذي خَلَف موسى هو يوشع بن نون وليس هارون! فهذا دليل عليكم، إذ لو كان النبي قد وصي للإمامة لعلي من بعده لما صلح هذا المثال، وقد فطن النبي لإحتمال توارد الإشتراك بالنبوة فنبّه إليه ، فكان جديرًا به أيضا أن ينبه للفرْق الآخر وهو أن موسى لم يوص لهارون وأنا أوصي بك، لكنه لم يفعل. والحق أن النبي قال هذا لعلي عندما استخلفه على المدينة بعد أن استنفر الناس للخروج معه إلى غزوة تبوك، فلم يبق إلا النساء والصبيان والشيوخ، فشق ذلك على علي وقال: أتخلفني في النساء والصبيان؟ فقال النبي:"أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى"، ولم يفهم عليّ من هذا الأمر مزية له أو تلميحا بالوصية له وإلا لما شق عليه الأمر، ولقد استخلف النبي الكريم ابن أم مكتوم على المدينة في غزوة بدر، وفي أكثر من حادثة بعد ذلك، واستخلف أبوذر الغفاري في غزوة المصطلق ولم يكن يعتبره الصحابة تشريفًا ، بل كان شرفهم في الخروج للجهاد. كما أن لفظ الرسول يدل على أن هذا ليس إعلان بالوصية والولاية من بعده، ولو كان كذلك لاستدل بها عليّ، ولكن لم يفعل.