واستشار عبد الرحمن بن عوف كل من كان حاضرًا من وجوه المهاجرين والأنصار وأمراء الأجناد الذين حضروا الحج مع عمر قبل وفاته. ثم اجتمع بالرهط الذين عينهم عمر واحدًا فواحد، وبعد مشاورات ومجادلات بينهم انحصر الاختيار في نهاية المطاف بين عثمان وعلي. قال عبد الرحمن موجهًا الكلام إلى علي بعد استقرار الرأي على عثمان:
(أما بعد يا علي إني قد نظرت في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان، فلا تجعلن على نفسك سبيلًا) [2] .
هذا ما يذكره لنا البخاري، ويلاحظ أنه خص عليًا وحده بالكلام مما يدل على أنه كان يفاضل بينه وبين عثمان لانحصار الأمر بين الاثنين وحدهما في النهاية دون الباقين.
وهذا ما يذكره البخاري أيضًا بسند المسور بن مخرمة إذ يقول: (ثم دعاني - يقصد عبدالرحمن بن عوف - فقال ادع لي عليًا فدعوته فناجاه ثم قام على من عنده وهو على طمع، وقد كان عبدالرحمن يخشى من علي شيئًا) [3] .
وأهم ما يسترعي انتباه الباحث في تفاصيل هذه الأحداث، أن عثمانًا قبل التقيد بمنهج سلفيه - أبي بكر وعمر - فضلًا عن كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - بطبيعة الحال. أما علي فقد تحفظ، إذ سأله عبدالرحمن (عليك عهد الله وميثاقه لتعملن بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الخليفتين من بعده) فكانت إجابته (أرجو أن أفعل بمبلغ علمي وطاقتي) ، أما عثمان فقد أجاب بالإيجاب على الفور دون تعليقه على العلم ومدى الطاقة كما فعل علي.
وكان هذا الاختيار - أي لعثمان دون علي - موضع اهتمام أهل السنة أنفسهم قبل الشيعة. فقد تساءل أبو وائل - كما ذكر الإمام أحمد بن حنبل في مسنده - حيث سأل عبدالرحمن بن عوف عن السبب الذي من أجله بايع الصحابة عثمانًا دون على، فأجاب (ما ذنبي؟ فقد بدأت بعلي. فقلت: أبايعك على كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وسيرة أبي بكر وعمر، فقال: فيما استطعت، ثم عرضت ذلك على عثمان فقال: نعم) [4] .