وإذا كان هذا الأمر معلومًا بالاضطرار من دين الإسلام عند الخاص والعام، لا يشك فيه من في قلبه أدنى مثقال ذرة من إيمان، أن هذا الرسول الكريم قد بلغ كل ما أُمر به، وكان أحرص ما يكون على أمته، بما هو متواتر من جهاده وتضحيته، وأخباره الدالة على ذلك، علمنا علمًا يقينيًا لا يشوبه أدنى شك، أنه لو كان الأمر كما يذكر الرافضة من الوصف لهذا الكتاب من أن به عصمة الأمة من الضلال في دينها، ورفع الفرقة والاختلاف فيما بينها، إلى أن تقوم الساعة، لما ساغ في دين ولا عقل أن يؤخر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كتابته إلى ذلك الوقت الضيق، ولو أخره ما كان ليتركه لمجرد اختلاف أصحابه عنده [1] وقد ثبت من سيرته أنه لربما راجعوه أحيانًا في بعض المسائل مجتهدين، فما كان يترك أمر ربه لقولهم، كمراجعة بعضهم له في فسخ الحج إلى عمرة في حق من لم يسق الهدي، وذلك في حجة الوداع، وكذلك مراجعة بعضهم له يوم الحديبية، وفي تأمير أسامة [2] -رضي الله عنه-، فهل يتصور بعد هذا أن يترك أمر ربه فيما هو أعظم من هذا لخلافهم، ولو قدر أنه تركه في ذلك الوقت لتنازعهم عنده لمصلحة رآها فما الذي يمنعه من أنه يكتبه بعد ذلك، وقد ثبت أنه عاش بعد ذلك عدة أيام فقد كانت وفاته -عليه الصلاة والسلام- يوم الإثنين على ما جاء مصرحًا به في رواية أنس في الصحيحين [3] وحادثة الكتاب يوم الخميس بالاتفاق.
(1) - ذكر هذا الوجه من الردّ الدهلوي. انظر: مختصر التحفة الاثني عشرية ص251.
(2) - انظر: الأحاديث في ذلك من صحيح البخاري مع الفتح 3/606، ح1785، 8/587، ح4844، 8/152، ح4468،4469.
(3) - انظر: صحيح البخاري مع الفتح 8/143، ح4448، وصحيح مسلم 1/315، ح419.