الصفحة 6 من 17

ويبرز هنا الخلاف الإخباري الأصولي مرة أخرى -على الرغم من الرؤية الاختزالية للواقع-في إعمال القدرة البشرية في القَدَر، أو تركَه يعمل عمله، بما يسوق أتباعه إلى القدر المحتوم؛ إذ النموذج الإخباري الاختزالي مُعادٍ للتاريخ مُنكر لإمكانات الآخر (بحكم عقيدة الجبر) ، والأصولي معادٍ كذلك للتاريخ، لكنه يقيم لإمكانيات الآخرين وزنا ويحسب له حساباته.

ومن هنا يتصور الأصوليون الفارسيون أنه بإمكانهم اجتياز الهوَّة، التي تفصل بين رؤيتهم للتاريخ من جهة وبين الواقع التاريخي من جهة أخرى، عن طريق العنف [11] ؛ فالعنف عادةً هو الوسيلة الوحيدة لفرض الاتساق الهندسي على الواقع وتركيبيته، ويبدو أنه نجح خلال العقود الثلاثة الماضية في تحقيق جزء كبير من المشروع النهضوي الفارسي الشيعي؛ إذ إن فترة الثورة الخمينية تُعدُّ من الفترات المضيئة، تمركزت فيها الذات الشيعية على نفسها ودافعت عن نفسها بضراوة وشراسة، وبحسب هذا الفهم، تكون العقود القليلة التي مرت على قيام دولة شيعية في إيران أكثر الفترات خصوبة في التاريخ الشيعي، ويصبح التمرد الصفوي في وجه"قوى الاستكبار"، والدفاع عن شيعة آل البيت وعن الوجود الشيعي في"منطقة الظهور"، هو إحدى القمم القليلة بل النادرة في هذا التاريخ، وتكون الثورة الإيرانية (الصفوية الجديدة) التعبير الحقيقي عن هذا التمركز المذهبي الذي يُجسد روح التاريخ الشيعي ويشكل نهايته السعيدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت