والعجب أن هؤلاء المتكلمين، إذا احتج عليهم بما في الآيات والأحاديث من الصفات قال: قالت الحنابلة: إن الله، كذا وكذا، بما فيه تشنيع وترويج لباطلهم، والحنابلة اقتفوا أثر السلف، وساروا بسيرهم، ووقفوا بوقوفهم، بخلاف غيرهم، والله الموفق .
النوع الثاني: أن هذا الكلام ليس فيه من الحجة والدليل ما يستحق أن يخاطب به أهل العلم، فإن الرد بمجرد الشتم والتهويل لا يعجز عنه أحد، والإنسان لو أنه يناظر المشركين، وأهل الكتاب، لكان عليه أن يذكر من الحجة ما يبين به الحق الذي معه، والباطل الذي معهم، فقد قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } [ النحل: 125 ] ، وقال تعالى: { وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } [ العنكبوت: 46 ] .
فلو كان خصم من يتكلم بهذا الكلام سواء كان المتكلم به أبو الفرج أو غيره، من أشهر الطوائف بالبدع كالرافضة لكان ينبغي أن يذكر الحجة، ويعدل عما لا فائدة فيه؛ إذ كان في مقام الرد عليهم، دع والمنازعون له كما ادعاه هم عند جميع الناس أعلم منه بالأصول والفروع .
وهو في كلامه ورده لم يأت بحجة أصلًا لا حجة سمعية، ولا عقلية وإنما اعتمد تقليد طائفة من أهل الكلام قد خالفها أكثر منها من أهل الكلام فقلدهم فيما زعموا أنه حجة عقلية، كما فعل هذا المعترض .
ومن يرد على الناس بالمعقول إن لم يبين حجة عقلية، وإلا كان قد أحال الناس على المجهولات، كمعصوم الرافضة، وغوث الصوفية .
فأما قوله: إن مثل هؤلاء لا يحدثون، فيقال له: قد بعث الله الرسل إلى جميع الخلق ليدعوهم إلى الله، فمن الذي أسقط الله مخاطبته من الناس ؟ دع من تعرف أنت وغيرك ممن فضلهم الله ما ليس هذا موضعه،ولو أراد سفيه أن يرد على الراد بمثل رده لم يعجز عن ذلك .