الصفحة 54 من 138

والحقيقة، أن قدرًا كبيرًا من الإشكال ينحلّ لو أن الكاتب أتعب نفسه وقرأ باب (فساد التقليد) كاملًا من كتاب جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر حيث نقل بعض النصوص من هناك. ولا نريد أن نحيله إلى عدد كبير من كتب علماء أهل السنة حيث بحث التقليد، وإنما نكتفي بإحالته إلى كتاب ابن عبد البر نفسه الذي كان يقرأ فيه وينقل عنه. فلو فعل لوجد ابن عبد البر بعد أن ذم التقليد والمقلدين وشنع عليهم -حتى قال لا فرق بين بهيمة تقاد، وإنسان يقلد- يقول:"وهذا كله لغير العامة؛ فإن العامة لا بدّ لها من تقليد علمائها عند النازلة بها، لأنها لا تتبين موقع الحجة، ولا تصل بعدم الفهم إلى علم ذلك؛ لأن العلم درجات لا سبيل منها إلى أعلاها إلى بنيل أسفلها، وهذا هو الحائل بين العامة وبين طلب الحجة والله أعلم. ولم تختلف العلماء أن العامة عليها تقليد علمائها وأنهم المرادون بقول الله تعالى { فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } . وأجمعوا على أن العامة لا يجوز لها الاجتهاد والفتيا، وذلك -والله أعلم- لجهلها بالمعاني التي فيها يجوز التحليل والتحريم والقول في العلم). اهـ [1] "

فأقول: هل انعقد إجماع العلماء على حرمة اجتهاد العامة ووجوب تقليدها لعلمائها عند النازلة بها كما نقله ابن عبد البر دون اعتبار رأي الأئمة الأربعة؟! فكيف يدّعى بعد ذلك أنهم لا يجيزون التقليد مطلقًا.

(1) 1- جامع بيان الغلم وفضله ص446

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت