وكان الكاتب قبل البدء بإيراد ما مضى من الأقوال، قد قال: (من أكبر الإشكالات التي تعرض لنا نهي الأئمة الأربعة عن تقليدهم) . اهـ. فنقول إن هذا النهي الوارد فيما عرض الكاتب من أقوالهم لا يشكل علينا، لأنه موجه من جهة معناه أو المخاطب به. فإن كان مرادك بعرضها مجرد استشكالها بأنك لا تجد لها محملًا فسنحل لك الإشكال. وإن كان المراد منه بيان عدم وجوب تقليد معينين فقد انتهينا منه. وإن كان المراد أن التقليد منهي عنه شرعًا نهيًا يفيد التحريم أو الكراهة فهذا غير صحيح على إطلاقه. لأن ذلك يقتضي أن يكون كل إنسان مجتهدًا لكي يتحلل من مخالفة الشرع بتقليده الآخرين. فهو تكليف للناس بما لا يطيقون الذي تمنعه أنت بنص القرآن الكريم، وكذلك فهو مخالف لقول الله تعالى: { وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ } . فأخبر أن النفير على بعضهم دون بعض.
واعلم أن هنالك قدرًا من العلم الشرعي لا يعذر أحد بالجهل به، ويستوي في وجوب معرفته العالم والعاميّ، كالعقائد الإجمالية، ووجوب الصلاة والصيام، وحرمة الزنا والقتل والسرقة وشرب الخمر مما هو معلوم من الدين بالضرورة، وموجود في الغالب نصًا في كتاب الله، ويعرفه المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها ويتناقلونه ولا يتنازعون فيه. والقدر الزائد عن هذه المعرفة إما أن يكون حكمه الندب أو فرض الكفاية في أشد أحواله أو التردد بينهما بحسب الحال. ومن ذلك عرفنا استحالة أن يمنع الأئمة من تقليدهم مطلقًا. ولئن سلم انحصار دلالة أقوالهم المنقولة على النهي عن تقليدهم، ولا يسلم، فلا بد من حملها على البعض دون البعض، أو صرفه إلى معاني أخرى كالحض على تحصيل العلوم وإتقان آلات الاجتهاد، أو حمل التقليد المنهي عنه على ذلك النوع المذموم الذي يصاحبه عمى البصيرة والتعصب.