وإني لأرغب في مواجهة خليفات فعلًا لأسأله بمن كان يعرّض، وعمن كان يتكلم. لأن هذه الأوصاف التي ذكرها إنما تنطبق أفضل ما تنطبق على الشيعة لا على أهل السنة. ولأن من قرأ في كتب علماء أهل السنة وبخاصة المتكلمين منهم، فإنه يتعجب من انفتاحهم على الآخرين، ومعرفتهم بدقائق مذاهبهم، واحترامهم لكل إيراد من المخالف، ومحاولة إنصافه بإيجاد محمل حسن لكلامه، وأنهم لا يتحرجون من تسليم قضية المخالف إن كانت حقًا، كما لا يتحرجون من تضعيف دليلهم إذا كان ضعيفًا، وأنهم يقتلون المسائل بحثًا، ويدققون على المعاني أيما تدقيق وحتى على الألفاظ والمباني من جهة أنها هل تخدم المعنى المستعملة فيه أم لا، وأنهم اجتهدوا أيما اجتهاد في تحقيق أقوال الفرق ونقلها والتفريق فيما بينها. فإن كان الكاتب يعرّض بعلماء السنة كالشيخ أبي الحسن الأشعري، وأبي منصور الماتريدي، وأبي الحسن الباهلي، والقاضي الباقلاني، والأستاذ أبي إسحق الإسفراييني، وإمام الحرمين الجويني، وأبي حامد الغزالي، والإمام فخر الدين الرازي، والمحقق العلامة عضد الدين الإيجي، والمحقق العلامة سعد الدين التفتازاني، والشريف الجرجاني، والسبكيان، وابن الحاجب، والشيخ زكريا الأنصاري، ومن قبلهم ومن بعدهم ومن عاصرهم من علمائنا مما يصعب حصرهم، فهذه كتبهم تملأ الدنيا، لا نخفي شيئًا منها، بل إننا ننشرها ونتحدى بها العالم، ويمكن لكل باحث بعد أن يقرأ قدرًا يسيرًا منها أن يعلم في قرارة نفسه كم كان هؤلاء الأئمة أهلًا للتقدير والاحترام رحمهم الله جميعًا. فإما أن يأتينا الكاتب من كلامهم ما يثبت مدعاه أو يَقطع لسانه عن السادة العلماء. ولست بحاجة لأن أنبه القارئ لأن يكون ذكي القلب، وأن لا يأخذ كلام كائن من كان على عواهنه على وجه التسليم لمجرد أنه موجود في كتاب مطبوع؛ فما أكثر الكتب المحشوة بالترهات والفكر الركيك.