وبهذا يسقط اعتراض طه حسين على القصة بزعمه أنها من مفتريات أهل السنة ، وحاشاهم ذلك ، إذ يتعذر اتفاق جميع مصادرهم على الكذب ، بل كان غالبية أصحابها من العلماء الثقات المشهود لهم بتحري الصدق فيما يكتبونه وينقلونه .
ثانيًا: أما اعتراضه الثاني ، وهو إكباره للصحابة بأن يستطيع مثل ابن سبأ أن يفعل ما فعل ، فليس هذا إكبارًا وإنما هو رغبة لإظهارهم بأنهم هم الذين أثاروا الفتنة ضد عثمان ، فهو يعلم أن ابن سبأ بث أفكاره بين دهماء الناس وعامتهم ، وليس بين الصحابة ، وهؤلاء الدهماء كان لهم دور مؤسف في قتل أمير المؤمنين عثمان -رضي الله عنه- ، وفي معركة الجمل ، وما أعقبهما من نكبات ومصائب .
أما الشيعة فيرجع سبب إنكارهم لوجود ابن سبأ فيما يبدو إلى عقيدته التي بثها وتسربت إلى فرق الشيعة ، وهي عقيدة تتنافى مع أصول الإسلام ، وتضع القوم موضع الاتهام والشبهة ، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى لما للعداء التاريخي في نفوس الشيعة نحو الصحابة ، ورغبة لإظهارهم بأنهم هم الذين أثاروا الفتنة بينهم .
على أن من طعن من الشيعة في وجود شخصية ابن سبأ فقد طعن بالتالي في كتبهم التي نقلت لعنات الأئمة المعصومين عندهم في هذا اليهودي الماكر ، وكيف يتصور أن تخرج اللعنات من المعصوم على مجهول ! مع أنه لا يجوز في معتقد الشيعة تكذيب المعصوم ! ! وفي الختام يتأكد بعد استقراء المصادر سواء القديمة والمتأخرة ، عند السنة والشيعة ، أن وجود عبد الله بن سبأ كان وجودًا حقيقيًا تؤكده الروايات التاريخية ، وتفيض فيه كتب العقائد ، وذكرته كتب الحديث ، والرجال ، والأنساب والطبقات ، والأدب واللغة ، وسار على هذا النهج كثير من المحققين والباحثين والمحدثين [19] .