قوله تعالى: (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ(26) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (27)
[دخول الفاء في جواب الشرط]
وقال أيضًا سنة سبع عشرة ممليًا بدمشق، قال: إذا قلت: إن أكرمتني أكرمتك. لا يجوز دخول الفاء لما تقرر من أن حرف الشرط إذا أفاد في الجزاء استقبالًا لم يجز دخول الفاء، وكل موضع لم يفد فيه الشرط استقبالًا إنه يجب دخول الفاء، وكل موضع يحتمل الأمرين يجوز فيه الوجهان. وهذا مقرر بعلله في الإملاء على المفصل، وفي المسائل الدمشقية وفي الإملاء على المقدمة، فيطلب في أماكنه.
قال: فإن قيل: قوله تعالى: (إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين. وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين) ، فإنه مثل المسألة المفروضة المتقدمة في امتناع دخول الفاء. فكيف صح دخول الفاء في الآية؟ والجواب عنه: أنه لم يُفذْ فيه الشرط استقبالًا البتة، لأنه إخبار
عن ماضٍ محقق، فعلى هذا لابدّ من دخول الفاء ليوذن بجواب الشرط. وأورد على ذلك قوله تعالى: (والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون) . و (إذا) قد عوملت معاملة (إن) في وجوب دخول الفاء وعدمها، واحتمال الأمرين، فلم نفذ (إذا) فيما ذكرناه استقبالا ينبغي دخول الفاء. وكذلك قوله عز وجل: (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ما كان حجتهم إلا أن قالوا) ، فإن (إذا) أيضًا ما أفادت استقبالًا، لأن (ما) لنفي. الحال، فيستحيل المجامعة بينه وبين الاستقبال بدليل وجوب الفاء في قوله: (وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين) .
والجواب: أن (إذا) تستعمل لمجرد الظر، والدليل عليه قوله تعالى: (والليل إذا يغشى) . فإنه يستحيل أن تكون ههنا للشرط، وذلك أن الليل مخفوض بواو القسم، وهو قسم إنشائي، الذي يدل عليه أنه له الجواب، ولو كان إخباريًا لما احتيج إلى جواب، ولما حذف الفعل وأتى الجواب دل على ما ذكرناه. وأيضًا فإنه لو كان إخبارًا لما كان التعبير عنه بالواو. فإذا ثبت ما ذكرناه فمعنى الآية: أقسم الله بالليل في زمن غشيانه. ولو كانت للشرط لزم تعليق القسم على الشرط، والباري تعالى أقسم من غير شرط معلق.
وإذا ثبت أن (إذا) لمجرد الزمان المحض بدليل ما ذكرناه وقدرناه، فيكون معنى الآيتين على هذا واضحًا، وهو أن معنى قوله (هم ينتصرون) ينتصرون في زمن إصابة البغي لهم. وكذلك قوله: (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات، ما كان حجتهم) في هذا الزمان إلا أن قالوا؛ إلا أن في قوله: ما كان حدتهم، تقديم ما في حيز النفي عليه. وجوابه أنه ظرف، والظروف اتسع فيها. ومثله في القرآن: (يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين) ، على خلاف يه. وكذلك قوله: (كانوا قليلًا من الليل ما يهجعون (وهو أيضًا مختلف فيه.
وفي قوله: (هم ينتصرون (( جوابان آخران، أحدهما: أنّ(ينتصرون) جواب الشرط، وأفاد الشرط فيه استقبالًا، و (هم) تأكيد للضمير في (أصابهم) . والآخر: أن الفاء مزاده، وهو قول ضعيف. والله أعلم بالصواب.