فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 81

بالصلاح للمقول فيه، فهم قد أسكتوا القائل المغتاب ودعوا للمقول فيه، وأوكدوا قول القائل؛ لأنه لو حل عندهم محل البراءة مما قيل لجبِّه القائل وردع عن قوله.

ومظهر التَّوقّي قليله عند العامة كثير. والمتورد المتقحِّم لا تكاد العامة تقبل منه.

وقد قال بعض العلماء: إن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود كان من نبلاء المغتابين وحُذَّاقهم حيث يقول:

مُسَّا تُراب الأرض، منه خُلقتُما ... وفيها المعاد والمصير إلى الحشر

ولا تعجبا أن تؤتيا وتعظَّما ... فما حُشى الإنسان شرًّا من الكبر

فلو شئت أدلى فيكما غير واحد ... كلانيةً أو قال ذلك في سرِّ

فإن أنا لم آمر ولم أنه عنكما ... ضحكت له حتى يلجَّ فيستشري

ومن هذا سرق العتابيُّ المعنى حيث يقول:

إنْ كنت لا تحذر شتْمي لما ... تعرف من صفحي عن الجاهل

فاخش سكوتي سامعًا ضاحكًا ... فيك لمشنوعٍ من القائل

مقالة السوء إلى أهلها ... أسرع من منحدرٍ سائل

ومن دعا الناس إلى ذمِّه ... ذمُّوه بالحق وبالباطل

وسئل القاسم بن معن عن ابن أبي ليلى، فقلَّب كفَّيه وقال:

من الناس من يخفي أبوه وجدُّه ... وجدُّ أبي ليلى لكالبدر ظاهر

فلم تثبت عليه به حجةٌ في ذمٍّ له ولا مدح. وقد بلغ ما أراد.

وسئل يومًا عن علمه فقال: أوعوه وطْبًا، فإن كان محضًا أو مشوبًا أظهره الوطب وما خضوه.

فإنْ قدح - جعلني الله فداك - بالحسد قادحٌ فيما أؤلفه من كتابي لك، وسبق إلى وهمك شكٌّ فيه، أعلمتني النكتة التي قدح فيها، ثم قابله بجوابي، فإني أرجو ألا تحتاج إلى حاكمٍ عند تجاثي القولين بين يديك، لعلو الحقعلى الباطل، ودموغه إياه.

والحسد أذلُّ نفسًا من أن يُجاثي أحدًا، والعداوة إنما قدِّمت عليه لأنها عزيزةٌ منيعة.

ويقال: الحسد لا يبدو إلا في العين وعلى اللسان المقصور عند أهله المؤتلفين على ... والعداوة تبدو وتنجم قرونها وينبسط لسانها عند الموافقين له والمخالفين عليه.

وسئل خالد بن صفوان عن شبيب بن شيبة فقال: ذاك امرؤ سيط بالحسد وجُبِل عليه، فليس له أخٌ في السر ولا عدوٌّ في العلانية.

وسئل العتَّابي عن أهل بغداد فقال: حسادٌ، إخوان العلانية، وأعداء السريرة، يعطونك الكلّ ويمنعونك القُلّ.

ومما يدلُّك على أن الحسد أخسُّ وأغبن من العداوة، أنّ الملل كلها ذمَّتْه وعابته. ولا نعلم أنّ شاذًّا من الشواذِّ، وشاردًا من الشُّرَّاد، فضْلًا عن جيل من الأجيال، أمر بالحسد؛ كما قيل: (عاد من عاداك، وقارعْ بالعداوة أهلها) . ثم عظم شأن العداوة عندهم، وجلَّ قدرها لديهم، حتى اختلفوا في وجوه العمل فيها؛ فمنهم من أمر بها على الحزم والعقل.

وقال الشَّعبيُّ لبشر بن مروان: لو وجَّهت إلى عمرو بن محمد بن عقيل مولى آل الزُّبير - وكان شتمه - من يأتيك به سحبًا وجرًّا! فقال بشر: إنِّي مستعملٌ في عدوِّي قول القائل:

وعاد إذا عاديت بالحزم والنُّهي ... تنلْ ظفرًا ممن تريد وتغلب

فكان بهذا ممن يرى المعاداة بالحزم، ويغتالها بالعقل والتأني.

وكان عروة بن المغيرة يقول: شرُّ العداوة ما سُتر بالمداراة، وأشقاها للأنفس ما قُرع بمثلها باديًا. وكان ينشد:

لا أتّقي حسك الضَّغائن بالرُّقي ... فعل الذليل ولو بقيت وحيدا

لكن أُعدُّ لها ضغائن مثلها ... حتى أداوي بالحقود حقودا

كالخمْر خير دوائها منها بها ... تشفي السَّقيم وتُبرئُ المنجودا

فانتهى قوله إلى ابن شُبرمة فقال: (لله درُّ عُروة، هذه أنفس العرب!) .

فهؤلاء رأوا كشف المعاداة ولم يروا التأنِّي.

ومنهم من رأى المعاداة بعد الفرار منها والإعذار فيها، فإن هي أبت إلا المقارنة قارنوها بمثلها.

قال شبيب بن شيبة: إذا رأيت الشرَّ قد أقبل إليك فتطامنْ له حتى يتخطَّاك، ولا تهجْه ولا تبحثْ عنه؛ فإن أبى إلا أن يبرك عليك فكن من الأرض نارًا ساطعة تتلظَّى. وأنشد:

إذا عاداك محتنكٌ لبيبٌ ... فعاد النَّوم واحترس البياتا

ولا تُثر الرَّبوض وخلِّ عنها ... وإن ثارت فكن شبحًا مواتا

تَجُزْك إلى سواك ونحِّ عنها ... فخير الشرِّ أسرعه فواتا

وإن مالت عليك وخفت منها ... فواجهها مجاهرةً صلاتا

ومنهم من أمر بقبول الإنصاف وترك المحاسبة. قال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: إن الملامات والذمّات كلها قبيحة، وأقبح الملامة والمذمَّة ما كانتا في ترك نصفة أو شدّة منافسةٍ في تعداد الذُّنوب. وأنشد:

منافسة العدوِّ أو الصديق ... تجرُّ إلى المذمّة والملامة

إذا أعطاك نصفًا ذو ودادٍ ... وبعض النِّصف فانتهز السلامة

ومنهم من قال: لا ترض من عدوِّك إلا بالظُّلم، ولا إنصافه ونافسه في ذلك. قال العباس بن عبد المطلب:

أبا طالب لا تقبل النِّصف منهم ... ولو أنصفوا حتى تعقَّ وتظلما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت