فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 81

(فصل منه)

جعلت فداك، ليس من اختياري، النخل على الزرع. أقصيتني، ولا على ميلي إلى الصدقة دون إعطاء الخراج عاقبتني، ولا لبغض دفع الإتاوة والرضا بالجزية حرمتني. ولست أدري لم كرهت قربي، وهويت بعدي، واستثقلت روحي ونفسي، واستطلت عمري وأيام مقامي؟ ولم سرتك سيئتي ومصيبتي، وساءتك حسنتي وسلامتي؟ نعم، حتى ساءك عزائي وتجملي، بقدر ما سرك جزعي وتضجري، وحتى تمنيت أن أخطئ عليك، فتجعل خطائي حجة لك في إبعادي، وكرهت صوابي فيك خوفًا من أن تجعله ذريعة إلى تقريبي.

فإن كان ذلك هو الذي أغضبك، وكان هو السبب لموجدتك، فليس - أبقاك الله - هذا الحقد في طبقة هذا الذنب، ولا هذه المطالبة من شكل هذه الجريمة.

(فصل منه)

فأي شيء أبقيت للعدو المكاشف، وللموافق الملاطف، وللمعتمد المصر، وللقادر المدل؟ ومن عاقب على الصغير بعقوبة الكبير، وعلى الهفوة بعقوبة الإصرار، وعلى الخطأ بعقوبة العمد، وعلى معصية المتستر بعقوبة المعلن. ومن لم يفرق بين الأعالي والأسافل، وبين الأقاصي والأداني، عاقب على الزنى بعقوبة السرقة، وعلى القتل بعقوبة القذف. ومن خرج إلى ذاك في باب العقاب، خرج إلى مثله في باب الثواب.

ومن خرج من جميع الأوزان، وخالف جميع التعديل كان بغاية العقاب أحق، وبه أولى.

والدليل على شدة غيظك وغليان صدرك، قوة حركتك، وإبطاء فترتك، وبعد الغاية في احتيالك.

ومن البرهان على بيان الغضب وعلى عظم الذنب، تمكن الحقد ورسوخ الغيظ، وبعد الوثبة وشدة الصولة. وهذا البرهان صحيح ما صح النظم، وقام التعديل، واستوت الأسباب.

ولا أعلم نارًا أبلغ في إحراق أهلها من نار الغيظ، ولا حركة أنقض لقوى الأبدان من طلب الطوائل، مع قلة الهدوء، والجهل بمنافع الجمام، وإعطاء الحالات أقسامها من التدبير.

ولا أعلم تجارة أكثر خسرانًا ولا أخف ميزانًا، من عداوة العاقل العالم، وإطلاق لسان الجليس والمداخل، والشعار دون الدثار، والخاص دون العام.

والطالب - أبقاك الله - بعرض ظفر ما لم يخرج المطلوب، وإليه الخيار ما لم تقع المنازلة.

ومن الحزم ألا تخرج إلى العدو إلا ومعك من القوى ما يغمر الفضلة التي يتيحها له الإخراج، ولا بد - أيضًا - من حزم يحذرك مصارع البغي، ويخوفك ناصر المطلوب.

(فصل منها)

والله لقد كنت أكره لك سرف الرضا، مخافة جواذبه إلى سرف الهوى، فما ظنك بسرف الغضب. وبغلبة الغيظ، ولا سيما ممن تعود إهمال النفس ولم يعودها الصبر، ولم يعرفها موضع الحظ في تجرع مرارة العفو. وإنما المراد من الأمور عواقبها لا عواجلها.

وقد كنت أشفق عليك من إفراط السرور، فما ظنك بإفراط الغيظ. وقد قال الناس: (لا خير في طول الراحة إذا كان يورث الغفلة، ولا في طول الكفاية إذا كان يؤدي إلى المعجزة. ولا في كثرة الغنى إذا كان يخرج إلى البلدة) .

جعلت فداك إن داء الحزن، وإن كان قاتلا، فإنه داء مماطل، وسقمه سقم مطاول، ومعه من التمهل بقدر قسطه من أناة المرة السوداء. وداء الغيظ سفيه طياش، وعجول فحاش، يعجل عن التوبة، ويقطع دون الوصية.

(فصل منها)

وربت كلمة لا توضع إلا على معناها الذي جعلت حظه وصارت هي حقه، والدالة عليه دون غيره، كالعزم والعلم، والحلم والرفق؛ والأناة والمداراة، والقصد والعدل، وكالانتهاز والاهتبال، وكاليأس والأمل، وكالخرق والعجلة، والمداهنة والتسرع، والغلو والتقصير.

ورب كلمة تدور مع واصلتها، وتتقلب مع جارتها، وإزاء صاحبتها، وعلى قدر ما تقابل من الحالات وتلاقي من الأسباب، كالحب والبغض، والغضب والرضا، والعزم والإرادة، والإقبال والإدبار، والجد والفتور. لأن كل هذا الباب الأخير يكون في الخير والشر، ويكون محمودًا ويكون مذمومًا.

وصاحب العجلة - أبقاك الله - صاحب لتغرير ومخاطرة، إن ظفر لم يحمده عاقل، وإن لم يظفر قطعته الملاوم. والريث أخو المعجزة، ومقرون بالحسرة، وعلى مدرجة اللائمة.

وصاحب الأناة، إن ظفر نفع غيره بالغنم، ونفع نفسه بثمرة العلم، وطاب ذكره ودام شكره، وحفظ فيه ولده. وإن حرم فمبسوط عذره ومصوب رأيه مع انتفاعه بعلمه، وما يجد من عز حزمه، ونبل صوابه.

(فصل منها)

ومن كانت طبيعته مأمونة عليه عند نفسه، وكان هواه رائده الذي لا يكذبه، والمتأمر عليه دون عقله، ولم يتوكل لما لا يهواه على ما يهوى، ولم ينصر تالد الإخوان على الطارف، ولم ينصف الملول المبعد من المستطرف المقرب، ولم يخف أن تجتذبه العادة وتتحكم عليه الطبيعة فليرسم حججهما ويصور صورهما في كتاب مقروء أو لفظ مسموع، ثم يعرضهما على جهابذة المعاني وأطباء أدواء العقول. على أن لا يختار إلا من لا يدري أي النوعين يتقي، وأيهما يحامي، وأيهما داؤه، وأيهما دواؤه. فإن لم يستعمل ذلك لم يزل متورطًا في الخطاء مغمورًا بالذنب.

سمعتك وأنت تريدني وكأنك تريد غيري، أو كأنك تشير علي من غير أن تنصني، وتقول: إني لأعجب ممن ترك دفاتر علمه متفرقة، وكراريس درسه غير مجموعة ولا منظومة، كيف يعرضها

للتخرم، وكيف لا يمنعها من التخرق؟! وعلى أن الدفتر إذا انقطعت حزامته وانحل شداده، وتخرمت ربطه، ولم تكن دونه وقاية، ولا دونه جنة، تفرق ورقه، واشتد جمعه، وعسر نظمه، وامتنع تأليفه، وضاع أكثره.

والدفتان أجمع، وضم الجلود لها أصون والحزم لها أصلح.

وينبغي للأشكال أن تنظم، والأشباه أن تؤلف؛ فإن التأليف يزيد الأجزاء الحسنة حسنًا، والاجتماع يحدث للمتساوي في الضعف قوة.

(فصل منها)

أنت - أبقاك الله - شاعر وأنا راوية، وأنت طويل وأنا قصير، وأنت أصلع وأنا أنزع، وأنت صاحب براذين وأنا صاحب حمير،

وأنت ركين وأنا عجول. وأنت تدبر نفسك وتقيم أود غيرك، وتتسع لجميع الرعية، وتبلغ بتدبيرك أقصى الأمة. وأنا أعجز عن تدبيري وعن تدبير أمتي وعبدي. وأنت منعم وأنا شاكر، وأنت ملك وأنا سوقة. وأنت مصطنع وأنا صنيعة، وأنت تفعل وأنا أصف. وأنت متقدم وأنا تابع، وأنت إذا نازعت الرجال وناهضت الأكفاء لم تقل بعد فراغك وانقطاع كلامك: لو كنت قلت كذا لكان أجود، ولو تركت قول كذا كان أحسن. وأمضيت الأمور على حقائقها، وسلمت إليها أقساطها، على مقادير حقوقها، فلم تندم بعد قول، ولم تأسف بعد سكوت. وأنا إن تكلمت ندمت، وإن جاريت أبدعت.

(فصل منها)

وقد منحتك جلد شبابي كملًا؛ وغرب نشاطي مقتبلا، فكان لك مهناه، وثمرة قواه، واحتملت دونك عرامه وغربه، فكان لك غنمه وعلي غرمه.

وأعطيتك عند إدبار بدني قوة رأيي، وعند تكامل معرفتي نتيجة تجربتي، واحتملت دونك وهن الكبر وإسقام الهرم.

وخير شركائك من أعطاك ما صفا وأخذ لنفسه ما كدر. وأفضل خلطائك من كفاك مؤونته وأحضرك معونته، وكان كلاله عليه ونشاطه لك.

وأكرم دخلائك وأشكر مواليك من لا يظن أنك تسمي جزيل ما تحتمل في بذلك ومؤانستك مؤونة، ولا تتابع إحسانك إليه نعمة. بل يرى أن نعمة الشاكر فوق نعمة الواهب، ونعمة الواد المخلص، فوق نعمة الجواد المغني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت